ثلاث جبهات جديدة للتعبئة في لقاء الوفد الوزاري المبعوث من طرف صاحب الجلالة مع الصحافة

الحكم الذاتي والانتخابات ومكافحة الإرهاب أولويات مغرب اليوم

الإثنين 12 فبراير 2007 - 20:00

لن يحصل تأجيل الانتخابات التشريعية، التي ستجرى في موعدها، في الوقت الذي يقطع المغرب خطوات كبيرة في مشروع الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، الذي سيرفع إلى مجلس الأمن في أبريل المقبل، مع إعداد مخطط لمواجهة أي اعتداء إرهابي قد يستهدف البلاد.

هذه المحاور الثلاثة شكلت موضوع لقاء غير رسمي جمع، يوم الجمعة الماضي بالرباط، مسؤولي التحرير بالصحافة الوطنية، بكل من شكيب بنموسى، وزير الداخلية، ونبيل بنعبد الله، وزير الاتصال الناطق باسم الحكومة، وفؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب في الداخلية، بحضور محمد ياسين المنصوري.

لم يأخذ اللقاء صيغة إعلان صحافي ولا ندوة صحافية، بقدر ما يتعلق الأمر بلقاء غير رسمي، في جو ودي مطبوع بروح الانفتاح وتبادل الرأي.

وكان الوفد الوزاري بتوجيهات ملكية سامية زار خلال الأسبوع الماضي باريس ومدريد، في إطار مهمة إطلاع وتوضيح بشأن مشروع الحكم الذاتي، الذي يعكف المغرب على بلورته في الصحراء.

استقبل الوفد المغربي في العاصمة الفرنسية من طرف الرئيس جاك شيراك وعدد من المسؤولين الفرنسيين، ثم في مدريد من طرف رئيس الحكومة الإسبانية لويس رودرغيث ثاباتيرو، ووزير الخارجية ميغل أنخيل موراتينوس.

وفي العاصمتين الأوروبيتين اطلع المسؤولون على عناصر المشروع، الذي ستطرحه بلادنا على مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة، في أبريل المقبل.

وعبر كل من شيراك وثاباتيرو عن ترحيبهما بالمبادرة الملكية وأكدا دعمهما لها
انطلاقا من الوعي بأهمية المهمة الموكولة إليه، وكذا بضرورة تنوير الرأي العام الوطني بشأنها، حرص أعضاء الوفد الوزاري على إشراك الصحافة الوطنية التي خصوها بأول لقاء إعلامي لهذه الغاية .

ولم يجر اللقاء مع الصحافة الوطنية على الطريقة التقليدية من خلال سؤال-جواب، بل من خلال حوار هادئ وبناء، يعكس في الواقع إرادة للتجديد في هذا المجال.

هكذا تعامل كل من شكيب بنموسى وفؤاد عالي الهمة ونبيل بنعبدالله بصدق ووضوح خلال اللقاء مع الصحافة الوطنية في تبادل طبعه البعد البيداغوجي والصرامة الفكرية.

لاشك إذن أن إعطاء الأسبقية للصحافة الوطنية، بكل مكوناتها، بشأن مهمة الوفد الوزاري في فرنسا وإسبانيا، يشكل تغييرا جذريا، بما يعني أن الحكومة تشرك الصحافة وتطلعها على المسلسل الدبلوماسي الجاري، وأنها حاليا إزاء سياسة تواصل جديدة، خاصة في ملف الصحراء البالغ الحساسية.

يتعلق الأمر بنوع من الشراكة بين الصحافة والحكومة، كما تبرزه هذه المبادرة، حيث كل طرف مدعو إلى تحمل مسؤوليته والانتباه بدقة إلى الرهانات الفعلية.

مسلسل ديموقراطي طويل النفس

يتعلق الأمر بعودة أبراهام السرفاتي إلى بلده ثم إلغاء الإقامة الجبرية عن عبد السلام ياسين، وفي سياق إعادة الثقة مع الشعب، تعيين وزير داخلية جديد في نونبر 1999، سيطبع بشكل كبير مسار التغيير .

هذه الأحداث جرت معها إصلاحات أخرى بتسريع وتيرة المبادرات الطموحة التي أفضت إلى انخراط المغرب في مسلسل عصري دون التخلي عن قيمه.

القانون الجديد لمدونة المرأة، تجديد الحقل الديني، الأشغال الكبرى، الحكامة الجديدة.

كلها تصب في اتجاه خلق مشروع مجتمعي بالمغرب، نال إعجاب الخارج.

وكل هذه المبادرات أسهمت في إرساء الديموقراطية وإنعاش علاقة جديدة بين المواطن والدولة.

على خلفية هذه المعطيات، يأتي مشروع الحكم الذاتي الذي يبرز الإرادة الديموقراطية العليا لكونه يقوم على حوار وطني موسع مع كل المكونات : الدولة، أحزاب، برلمان، كوركاس، وصولا إلى أبناء الصحراء والقبائل والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المغربي بصفة عامة.

وكما جرت العادة، وكما عبرت عنه هذه المكونات، فهو بالأفكار ويطرح أسئلة حول تفاصيل على مستوى المسؤوليات والرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما بالنسبة إلى انخراط السكان.

ثلثا الصحراويين الأصليين يوجدون بالمغرب

يتميز مشروع الحكم الذاتي بشكل قوي بالانسجام، والنية السليمة، والوضوح والفاعلية، ، وهذا قابل للقياس والتقييم لإعطاء صورة أكثر دقة، من 1 إلى 10 مستويات على نطاق سلم ما هو ملائم وصارم، حسب الزاوية التي سنفصلها، ومن جانب آخر، فهو مصاغ ليس فحسب وفق معايير المسؤولية الدولية والمحلية، ولكن حسب معايير المشروعية والديموقراطية.

وهذا سيبرر زهاء سبع سنوات من العمل المكثف، وأكثر من سنة من المحادثات التقنية، والتعديلات، واللمسات النهائية.

وهو يندرج بذلك في إطار الانسجام مع كل المواقف، ويلزم مصير الأمة، كما يخلق أجواء وشروط حوار لايترك جانبا أية تفاصيل، ولا يتجاهل في ذات الوقت أي حظ من حظوظ النجاح
إنه »مسلسل بناء يستند على المشروعية، المكملة للمخططات السياسية، والمؤسساتية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإنسانية«، وهو أمر في غاية الأهمية بالنسبة إلى الجهوية.

مخطط الاستقلال الجهوي للصحراء، المتحاور بشأنه الذي حظي بالاجماع، يهم الصحراويين الأصليين الموجودين في الأقاليم الجنوبية، ويمثلون أزيد من ثلثي جميع حساسيات ما يسمى بـ"الشعب الصحراوي"، وهذا جواب لامثيل له، ويعطي بذلك ردا نهائيا، وقد جرى التوصل إليه عقب مسلسل مسؤول وجاد، وباختصار فإن الأمر يتعلق بـ "مشروع يتجاوز مواثيق الحكم الذاتي بأوروبا".

وسيبين تعزيز الجبهة الداخلية المتميز بالتعبئة، مدعومة بمسلسل المشروعية على الصعيد الدولي، المجسد لمشروع الحكم الذاتي، للمجتمع الدولي التزام المغرب بإنهاء هذا المشكل، ويؤكد في المقابل النية المبيتة للبوليساريو والجهات الواقفة خلفها، التي تدعي أن (لاعلاقة لها بقضية الصحراء ).

تهديدات إرهابية

بعد ذلك تطرق النقاش، في إطار منطق واضح، إلى خطورة الوضع بالساحل الصحراوي، الواقع حاليا تحت أيدي مجموعات السلفيين التابعين للقاعدة، وهو شريط حدودي غير مراقب حيث "تلعب الأوراق".

مستنقع رملي، حيث العصابات الإسلامية المسلحة، المطرودة من آسيا الوسطى، تشكل بالنسبة إلى دول الجهة منطقة فوضى حقيقية، وهذه "المنطقة الرمادية" تجمع كل عوامل اللااستقرار، إذ تتقاطع المصالح البترولية والغازية وأطماع القوة
فالولايات المتحدة الأميركية تلتقي مع القوى الأوروبية، والسلفيون ينشطون للقضاء على كل ما هو مجاور لهذه المناطق.

الحكومة المغربية، اتخذت إجراءات حقيقية، واستوعبت الأخطار المهددة لأمنها، حتى تبعد أي اعتداء آت من هذه الأرض المشاعة للعنف.

في هذا الإطار عقدت البعثة الوزارية عقدا مع الصحافة الوطنية، لإخبار الرأي العام أساسا على المعلومات المستقاة من قبل أجهزتنا الأمنية، وأيضا من قبل الدول الصديقة، فإن أعمال العنف والإرهاب ضد التراب الوطني جرى توقعها.

ولهذه الغاية فقد جرت صياغة مخطط للرد، من أجل ضمان طمأنينة المواطنين المغاربة من طنجة إلى الكويرة، وفق ما هو مطلوب.

لا تأجيل للانتخابات التشريعية

ولم يشكل موضوع الحكم الذاتي في الصحراء النقطة الوحيدة في لقاء الوفد الوزاري مع الصحافة الوطنية، فقد عالج الوزراء بصفة خاصة، ثلاثة محاور لا تخفى أهميتها في الوقت الراهن.

يتعلق الأمر بالمبادرة الدبلوماسية المغربية لدى حوالي 15 حكومة عبر العالم، قصد إطلاعها على تقدم مشروع الحكم الذاتي، والتهديدات الإرهابية الجديدة الصادرة في الفترة الأخيرة ضد الأراضي المغربية، والتي ضبطتها مصالح الأمن، وكذا الإجراءات المتخذة لمواجهتها.

ثم، أخيرا، التأكيد على إجراء الانتخابات التشريعية قبل نهاية عام 2007، كما كان مقررا من قبل.

إن هذه القضايا الثلاث، من جملة أمور أخرى، تهيمن حاليا على مسرح الأحداث وعلى نشاط المغرب، دون أن تصرفه، مع ذلك، عن مجموع اهتماماته.

والواقع أن مغربا موحدا، متكتلا خلف ملكه ووراء قضيتنا المقدسة، مدعوما بثقة الشعب، وحده القادر على رفع التحديات الخارجية.

إن الإشاعات المغرضة التي تقول إن أقاليم الجنوب شهدت انفلاتات أمنية واحتجاجات، تنم لا أقل ولاأكثر، عن المعلومة الخاطئة، وعن »تسمم« خصومنا المعروفين
لقد أدان بنموسى وعالي الهمة وبنعبد الله، ورفضوا بشكل مطلق، المناورة التي اقتضت، خلال شهر أكتوبر الماضي، أن تربط، وبكثير من الضجة، قضية الصحراء بحقوق الإنسان.

أليس هم نفس خصوم المغرب، مدعومين بصحافة محسوبة عليهم، الذين تجندوا لتشويه الحقيقة في أقاليم الجنوب، وتحويل النقاش في اللجنة الرابعة للأمم المتحدة نحو مسارات ملتوية وديماغوجية؟ لكن دون جدوى، لأن المغرب كشف هذا التزوير للحقائق.

إن مشروع الحكم الذاتي، كما تمت الإشارة إليه خلال هذا اللقاء، يندرج في سياق رؤية موسعة وعميقة للعاهل الكريم، الذي لم يتوان في الدفاع عنها : وبالخصوص تلك الخاصة بالجهوية واللامركزية.

إنها تجسد بالنسبة إلى بلدنا، نموذج التقدم والحداثة و الوحدة والحرية.

كما أنها تتطابق في الوقت نفسه مع خصوصيات الأقاليم الجنوبية والمثل العليا الوطنية.

لقد دعمت النقاشات داخل المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية( كوركاس)، كما في هيآت أخرى، مبدأ الحكم الذاتي الجهوي، الذي لا يضاهى في تجديده وجرأته السياسية قياسا إلى ما عبر عنه العالم في هذا المجال.

إن الجبهة الداخلية أصبحت ضرورة حتمية، لأنها تعزز ديناميكية شرع فيها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وديوان المظالم، والكوركاس وهيآت أخرى، اقتصادية واجتماعية وغيرها

و يجسد انخراط سكان الأقاليم الجنوبية، على المستوى السياسي والقبلي والاجتماعي، في مثل هذه الديناميكية.

وهذا معطى أساسي، مثل »الحوار التشاركي« الذي يميز اليوم مسلسل تطبيق مشروع الحكم الذاتي، والنموذج المتميز للامركزية في المغرب.

ويشتمل المشروع الذي تحددت معالمه في أزيد من 80 في المائة، على ابتكارات رئيسية، بل »ثورية« لأنها استثنائية، لم تعرف في بلد آخر، سواء سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو ثقافيا أو إنسانيا.

ويتمحور المشروع حول مميزات خاصة بأقاليم الجنوب.

إنه يجدد ويعيد صياغة العلاقة مع السلطة المركزية.

وأخيرا، ينادي باندماج متناسق ويبرز تصورا جديدا للدولة اللامركزية.

وبدون أن يكون كونفدراليا أو فيديراليا أو حتى مركزيا، فهو مشروع وحدة للديموقراطية والحرية والتقدم.

المساواة والديمقراطية

أبرز بنموسى وعالي الهمة وبنعبد الله ثلاثة محاور موضوعاتية لمبادرة المغرب : الشفافية، المساواة، والديمقراطية.

وبإصراره على إخبار البلدان الصديقة، والتي يعتبر بعضها أعضاء دائمين في مجلس الأمن، بالمشروع الأولي للحكم الذاتي الموسع في الصحراء، يظل المغرب وفيا لتقاليده، وخصوصا لمبدأ الشفافية الذي طبع إعداد هذا المشروع عبر إخضاعه لكثير من الاستشارات وعلى عدة مستويات من هيآت المجتمع المغربي.

إن الشفافية هي أيضا بالنسبة إلى المغرب، كما كان الأمر دائما، أسلوبا للتقدم، متأكدا من حقه ومقتنعا بأن الحقيقة تعني للديمقراطية، ما تعنيه الجدية للإنسان، أي ضرورة ملحة.

إن الشرعية كما نعرفها، كانت من بين المطالب الملحة للمغرب عبر تاريخه، خاصة في القضية المفتعلة للصحراء.

ومازال يواصل في إطار الشرعية أخذ المبادرة لبلورة واقتراح مشروع الحكم الذاتي الموسع على المجتمع الدولي، وهو، إذا جاز التعبير، »يدافع عن مشروعه ضد نفسه«
في مدريد في نونبر 1975، ونيروبي في 1981 و1982 بالأمم المتحدة وفي جميع أنحاء العالم، حيث جرى اقتراح مشكل الصحراء وخلال السنوات 45 الأخيرة، لم تتنازل المملكة قط عن التزامها الشرعي.

وكما تشهد على ذلك الحلول الملائمة للأمم المتحدة.

وأخيرا الديموقراطية وهي دعامتنا الأ ساسية ورمز تواجدنا، بما أن مشروع الحكم الذاتي الجهوي للصحراء يشارك من خلال رؤية مستقبلية للدولة والسلطات والحكامة.

فهي تحمل أصل فلسفة سياسية اقتصادية اجتماعية عصرية بما أنها تجسد الحرية والتقدم .

والمغرب لم يتوقف منذ 1991 إلى أيامنا هذه، في معرفة التطور المهيمن لإنعاش حقوق الإنسان و دولة الحق والقانون.

الملك محمد السادس بقي يقظا بالنسبة إلى هذا التطور، وقد سرع من وتيرته منذ يوليوز 1999 .

وفي 1994 تاريخ العفو العام، الذائع الصيت، والقرار التاريخي الذي تجسد في »الوطن غفور رحيم«، تلاها بعد سنتين في شتنبر 1996، إصلاح جذري بالإعلان عن دستور جديد ، متبوعا سنة 1997، بالانتخابات التشريعية التي وضعت أسس التناوب السياسي وتكوين حكومة جديدة في فبراير 1998 .

سنة وبضعة شهور فيما بعد، اعتلى الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين عقب وفاة المغفور له الملك الحسن الثاني.

إن المغرب عرف سلسلة من التغييرات السياسية والإنسانية كانت حاسمة في إعطاء صورة إيجابية للبلاد، والدفع بالحكامة الجيدة.




تابعونا على فيسبوك