مدير دار الحديث الحسنية يتحدث إلىالمغربية

أحمد الخمليشي : فتاوى الأثير تهيم في كل واد

الثلاثاء 06 فبراير 2007 - 10:14
الدكتور الخمليشي مدير دار الحديث الحسنية (كرتوش)

اعتبر أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية، أن فتاوى العلماء عبر الأثير فتاوى تهيم في كل واد، وتزيد الفكر الإسلامي غموضا واضطرابا وفوضى، وما لم يعالج موضوع الفتوى والنطق باسم الإسلام، والإفتاء باسم الدين، فسنبقى في مشاكلنا التي تكاد أن تصل إلى حد "إسالة

وعبر الخمليشي، في حديث مع"المغربية"، عن أمله في أن يعم الوعي المجتمع الإسلامي، ويدرك أن المجتمع هو الذي يتلقى رسالة الإسلام، وهو الذي يطبقها، مشيرا إلى أن المجتمع الإسلامي ما يزال يعيش ثقافة تقبل هذه الفتاوى، ويقبل عليها إقبالا كبيرا، ويعتبرها أحكاما شرعية يجب الامتثال لها.

وشدد على ضرورة إصلاح الثقافة الدينية والتعليم الديني في كل الوطن الإسلامي
وفي ما يخص موقف الشرع من المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، قال الخمليشي إنه »إذا كنت قلت من قبل إن أمر الإصلاح الديني يرجع إلى الأمة، وليس إلى العلماء، فبالأحرى أنني لست مفتيا باسم الدين في حقوق الإنسان وغيرها، ولدي رأي شخصي إزاء عقوبة الإعدام، ولا أزعم أبدا أنني أقوله باسم الدين، فأنا لست ناطقا باسم الدين، وأتحدث عن رأيي الشخصي، وبالنسبة إلى المسائل الدينية، فيجب أن تحكم فيها الأمة، وهي التي تتحمل مسؤوليتها.

ويرى أن المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام فيها مبالغة وإفراط لما يسمى بحقوق الإنسان".

٭ كنت أول من انتقد فتوى الشيخ القرضاوي، كيف تلقيت ردود الفعل على انتقاداتك لتلك الفتوى، وكيف تلقيت ردود الفعل الصادرة بعد بيان المجلس العلمي؟

ـ أولا لم أتتبع ردود الفعل وكيف كانت ومن الطبيعي أن تأتي ردود الفعل متباينة ومختلفة
وما يغيب في نظري هو تحليل الموضوع وفهمه والبرهنة على مدى الجدية في أي رأي من الآراء، لأنني قرأت أخيرا موضوعا حول السماح لبعض الأبناك المغربية ببعض المعاملات التي تسمى ديماغوجيا إسلامية استجابة لله ورسوله، فعندما نصل إلى هذه السذاجة الفكرية والتسطيح للأفكار، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هناك جدل نافع أو مناقشة جدية. إن الإسلام، وفق هذا التصور، قائم على الشكل ويتنافى مع الأخلاق، فعندما نقول إن البنك سيأخذ 20 في المائة ببيع صوري حلال في الإسلام، وعندما يأخذ 2 في المائة باسم الفائدة حرام إسلاميا، عندما نصل إلى هذه الرؤية، أعتقد أنه تغيب المناقشة والتفكير.

فالمشكل إذا مشكل استعمال العقل والفكر والسذاجة والتقليد الأعمى
هذا ما يمكن أن أقوله في هذا الموضوع لأننا وصلنا درجة من السذاجة الفكرية لا يكاد العقل يصدقها فالدين أخلاق ومبادئ وقيم وجوهر وليس شكا ولا ظاهرا ولا ميدانا للتحايل واصطياد المصالح.

فعندما نتحدث عن المعاملات الإسلامية، نعني بها تلك التي تراعي حقوق الطرفين، وحقوق الاقتصاد الوطني، وتقيم التوازن بين هذه الأطراف.

أما أن نربط الأحكام الإسلامية بالشكل وبالصورة والظاهر وبالعقود المزورة، ولو على حساب المتعاقدين مع البنك أو الزبناء، فهذا أمر عظيم، آسف أن نتداوله في القرن الواحد والعشرين.

٭ كيف تفسر سكوت الشيخ القرضاوي على الانتقادات التي وجهت له سواء من طرفك أو من طرف المجلس العلمي؟

ـ للأسف وجه إليه هذا السؤال وأجاب عنه بجواب شخصيا أترفع عن ذكره.

٭ إلى أي حد يمكن أن نعتبر الفتاوى التي يصدرها الشيوخ عبر الأثير ذات شرعية دينية؟ ـ هي فتاوى تهيم في كل واد، وتزيد الفكر الإسلامي غموضا واضطرابا وفوضى، وما لم يعالج موضوع الفتوى والنطق باسم الإسلام والإفتاء باسم الدين فإننا سنبقى في مشاكلنا التي تكاد أن تصل إلى حد "إسالة" الدماء.

إننا نتمنى أن يعم الوعي المجتمع الإسلامي، وندرك أن المجتمع هو الذي يتلقى رسالة الإسلام، وهو الذي يطبقها، وليس بالآراء نطبقها، ولكن في الواقع إننا ما نزال نعيش ثقافة لا نقول إنها تقبل فقط هذه الفتاوى بل تقبل عليها إقبالا كبيرا وتعتبرها أحكاما شرعية يجب الامتثال لها والأمر يرتبط بإصلاح الثقافة الدينية والتعليم الديني في كل الوطن الإسلامي.

٭ كيف تنظر إلى تعدد القنوات ذات الطابع الديني المذهبي، أليس في ذلك إثارة للنعرة المذهبية الدينية من جديد؟

ـ هذه نتيجة طبيعية لتسليم الأمة الإسلامية أمرها إلى من يسمون بالمفتين والفقهاء، وخيل لهؤلاء المفتون والناطقون باسم الإسلام بأنهم فعلا يمثلون الإسلام، وهم الحارسون له، وهنا يكمن المشكل، فقد أصبحت هذه ثقافة موجودة لدى الأغلبية المطلقة من المسلمين، فنحن الذين نشجعها ونقبل عليها.

٭ الحضور الديني المغربي على مستوى وسائل الإعلام خاصة منها الفضائية مازال ضعيفا، كيف يمكن في نظرك من خلال وسائل الإسلام الجديدة تقديم صورة المغرب الديني في الخارج؟

ـ صحيح أن الصورة ما تزال ضعيفة لكن بالنسبة إلى الوسائل فأعتقد أن هذا الأمر موكول إلى الجهات المعنية وهي التي لديها معرفة بالإمكانيات المتوفرة لأن آمر هنا لا يرتبط فقط بملاحظة قلة حضور لأن الحضور الفاعل المفيد يحتاج إلى وسائل ولا أتوفر على معلومات كافية في ما إذا كانت هذه الوسائل متوفرة للخوض في الحديث في هذا المجال.

٭ يعيش العالم الإسلامي اليوم تمزقا مذهبيا لم يعرفه منذ أربعة عشر قرنا، ما هو دور العلماء في إخماد نار الفتنة في مهدها؟

ـ ليست هذه الفتنة أكثر من فتن في وقت مضى والتي كانت أكثر مما نحن عليه الآن. أما إمكانية إخمادها فأعتقد أنه لا يمكن ذلك لأن الكثير من العلماء ينطلقون من نفس التفكير المذهبي فعلى الأمة آن تتحمل مسؤوليتها وأن تفكر جديا في مسيرتها وفي مستقبلها وفي عقيدتها الدينية كذلك لكي تستطيع أن تضع لنفسها طريقا تسلكه أما أن يسند إلى طائفة فأعتقد أنه لن يفيد وما نسمعه عن طرق الفضائيات من بعض العلماء دليل على أن الأمة يجب أن تتحمل مسؤوليتها وليس لها أن تسند الأمر إلى هذه الطائفة أو تلك لتصلح الحقل الديني.

٭ في المغرب كيف تنظر إلى برنامج هيكلة الحقل الديني بعد ثلاث سنوات من إعلان إطلاق هذا البرنامج؟

ـ أولا لا أستطيع التعليق على هذا الموضوع بصورة كاملة لعدة أسباب لكون انطلاق هذه مسيرة ما يزال حديثا وفي اعتقادي لن تستطيع أن تعطي أكلها في بضع سنوات كما أنني لا أتوفر على الآفاق الحقيقية والفعلية لهذه الهيكلة فمعلوماتي بهذا الشأن، محدودة جدا ويصعب أن أحكم شخصيا على المسيرة ككل من خلال بعض الانطباعات التي أتوفر عليها ولذلك يجب أن يمر وقت معقول لكي يمكن لنا أن نقيم هذه الهيكلة ونتائجها سواء كانت إيجابية أو سلبية.

٭ في إطار النقاش الدائر حول المطالبة بتعديل الدستور تذهب بعض الفصائل اليسارية في المغرب إلى حد المطالبة بالتخلي عن إمارة المؤمنين في المغرب، في نظرك كيف يمكن التجاوب مع مثل هذه المطالب؟ ـ أعتقد أن ما يرجع إلى المسائل السياسية الصرفة فأفضل عدم الخوض فيها لأن الممارسة السياسية يجب أن تكون بطرقها المتعارف عليها.هؤلاء الذين يمارسون السياسة مخولون أكثر لإبداء أفكارهم في هذا المجال.

٭ ينعقد حاليا بباريس مؤتمر للمطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، ما هو موقف الشرع من إلغاء هذه العقوبة؟

ـ إذا كنت قلت من قبل إن أمر الإصلاح الديني يرجع إلى الأمة وليس إلى العلماء، فبالأحرى أنني لست مفتيا باسم الدين في حقوق الإنسان وغيرها ولدي رأي شخصي إزاء عقوبة الإعدام، ولا أزعم أبدا أنني أقوله باسم الدين فأنا لست ناطقا باسم الدين وأتحدث عن رأيي الشخصي وبالنسبة للمسائل الدينية فيجب أن تقرر فيها الأمة وهي التي تتحمل مسؤوليتها.

أما موقفي الشخصي فأرى أن المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام فيها مبالغة كما أراه إفراطا في ما يسمى بحقوق الإنسان.

وفي رأيي الشخصي، لهذه الحقوق حدود، فعندما نقول إن من حق الفرد، يجب أن نراعي كذلك حقوق الآخرين.

صحيح أن القوانين الجنائية المغربية تبالغ في الجرائم، التي تقرر لها عقوبة الإعدام، وبالأخص الجرائم والسياسية أو المحاولات الجنائية المعاقب عليها بالإعدام، لكن الإلغاء الكلي أراه شخصيا إفراطا أو تجاوزا لحقوق الناس أيضا.

فهناك بعض السفاحين يبدو من غير المقبول إطلاقا باسم قداسة الحياة إلغاء الإعدام كأن أولئك الضحايا الذين أزهقت روحهم ببرودة دم ولأغراض خسيسة في كثير من الأحيان ليس لهم حق في قداسة هذه الحياة نقرأ في الصحف عن بعض الجرائم البشعة، التي أرى أنه انطلاقا من الإنصاف والعدالة الدعوة إلى حماية حياة مرتكبيها باسم حقوق الإنسان التي تتجاوز في كثير من الحالات حدودها سواء إزاء حقوق المجتمع وطمأنينته أو إزاء مبادئ الخلق والقيم.

ولا أدري كيف نطالب بإلغاء عقوبة الإعدام إزاء الإنسان في الوقت الذي نرى فيه الإنسانية كلها ما تزال تقر بشرعية الحروب وباستعمال أسلحة فتاكة وبقتل و تشويه الملايين من الناس عن طريق القنابل الانشطارية أو غير الانشطارية وحتى بالأسلحة النووية.

فإذا أراد الإنسان حقيقة أن يمتثل لقيم احترام الحياة فليبدأ بهذه المجازر التي ترتكب باسم الشرعية الدولية ويقتل فيها الملايين من الأبرياء قبل أن نتناقش عن سفاح استرخص حياة غيره قبل أن يساق إلى المحكمة.





تابعونا على فيسبوك