قرار ملكي تاريخي

الأربعاء 31 يناير 2007 - 16:32

قرار صاحب الجلالة الملك محمد السادس بعدم متابعة يومية"الصحيفة"، في أعقاب ما نشرته بخصوص اكتشاف البترول بتالسينت، يعتبر قرارا تاريخيا بكل المعاني والمقاييس، ويحبل بكثير من العبر والدروس، ستشكل، بالتأكيد، منبعا خصبا لعموم الإعلاميين المغاربة، للوقوف عند دلا

القرار الملكي يعيد الاعتبار أولا لمرجعيات ومبادئ حقوق الإنسان، والديمقراطية، وأخلاقيات مهنة الصحافة والإعلام، ويعلي ثانيا من شأن فضيلة التسامح، المترسخة في قيم المجتمع المغربي الأصيلة، وكما جاء في رسالة مستشار صاحب الجلالة، محمد معتصم، إلى كل من الفدرالية المغربية لناشري الصحف والنقابة الوطنية للصحافة المغربية، فإن قرار جلالة الملك، قضى بعدم متابعة »الصحيفة« قضائيا، رغم الخروقات السافرة لأخلاقيات وأدبيات المهنة، التي شابت صياغة مقال »الصحيفة«، المعتمد على رسالة لشخص بناها على الكذب المقصود، وضمنها الكثير من الافتراءات، التي لا تخفى على أي مراقب نزيه.

القرار الملكي التاريخي يعيد إلى الواجهة، كذلك وبقوة، إشكالية الحرية والمسؤولية في الإعلام المغربي.

وفي هذا الصدد، وكما كان القرار غير مسبوق، كذلك كانت إضاءات وتوجيهات جلالة الملك حول الحرية والمسؤولية سابقة قوية في المسار العام لتطور حركية الممارسة الإعلامية في بلادنا.

والجميع ما زال يذكر تلك الرسالة الفريدة من نوعها، التي يوجهها قائد كبير إلى إعلاميي بلده، إذ سجل المراقبون، بكثير من التقدير، الرسالة السامية إلى أسرة الصحافة، بمناسبة تخليد اليوم الوطني للإعلام، في نونبر 2002، التي وقف فيها جلالته على ما تجسده هذه المناسبة من رمزية، وما تمثله من قيم ودلالات، تتبوأ الحرية والمسؤولية مكانة الصدارة فيها.

فلا سبيل لنهوض وتطور صحافة جيدة دون ممارسة لحرية التعبير، يقول جلالته فالحرية والمسؤولية هما عماد مهنة الصحافة، ومنبع شرفها الشيء الذي يتطلب تحصين فضاء التعبير، باعتباره فضاء مقدسا، وصيانته من العبث، والاستفادة من المناخ الإيجابي، الذي يطبع العملية الإعلامية، في ظل الإصلاحات، التي يقودها جلالة الملك، واستلهام روح العلاقة التفاعلية لثنائية الحرية والمسؤولية، التي يجب تكريسها في الممارسة اليومية، بمزاوجة خلاقة بين توطيد حرية الصحافة، وحماية حقوق الأفراد والجماعات وحرمة المؤسسات، من خلال تشبع المهنيين بآداب المهنة، ومثلها السامية، وإبداع صيغ وآليات ذاتية لمراقبة مدى الالتزام بأخلاقيات المهنة الحقة، والضمير المهني اليقظ، بعيدا عن الرؤية الواحدة للوقائع، من خلال الالتزام بمنهجية تحري الموضوعية والتوازن، التي غالبا ما تضيع، عن قصد أو بغيره، في زحمة البحث عن الإثارة المجانية.

القرار الملكي كان كذلك قرارا حضاريا، عندما أخذ بعين الاعتبار للاعتذار، الذي قدمه المسؤولون عن نشر هذه الجريدة، وكذا إعلانهم توقيف إصدارها مؤقتا، كما جاء تجسيدا للإرادة الملكية السامية، لدعم عمل الصحافة المحترفة المسؤولة، التي تعمل جاهدة في ظل سيادة القانون، وتحصين المكاسب الديموقراطية للمملكة.

إنه قرار كبير لقائد كبير، ودرس قوي، يترجم، من جهة، الإرادة الملكية الوطيدة لترسيخ الحرية، وصون تعددية الإعلام وعصرنته، باعتباره إحدى ركائز بناء المشروع الملكي المجتمعي الديمقراطي الحداثي، ويفتح، من جهة ثانية، ورش بناء آفاق رحبة لصحافة مغربية، قوية ومؤثرة، عصرية وحديثة، حرة ومسؤولة.

(المغربية)




تابعونا على فيسبوك