يخلد الشعب المغربي، وفي طليعته رجال الحركة الوطنية وأسرة المقاومة وجيش التحرير، اليوم الاثنين، الذكرى الـ 63 لانتفاضة 29 يناير 1944.
التي اندلعت تأكيدا لمضامين وثيقة المطالبة بالاستقلال، واستنكارا لحملات التقتيل والتنكيل والاعتقالات التي أقدمت عليها قوات الحماية، مستهدفة رجال الحركة الوطنية وعموم أبناء الشعب المغربي، إثر تقديم هذه الوثيقة التاريخية، المجسدة لإرادة العرش والشعب، ونضالهما البطولي في سبيل الحرية والانعتاق .
وذكر بلاغ للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، أنه في مثل هذا اليوم من سنة 1944، خرجت حشود من الجماهير الشعبية من قلب مدينة الرباط منددة بإقدام سلطات الحماية على اعتقال زعماء من الحركة الوطنية، وبلغ صدى هذه المظاهرات ولي العهد آنذاك، جلالة المغفور له الحسن الثاني، وهو داخل المعهد المولوي، فتخطى سوره والتحق بصفوف المتظاهرين.
وقد روى جلالته طيب الله ثراه، ارتساماته عن ذلك اليوم فقال : "هناك تاريخ مضبوط ظل عالقا بذاكرتي هو 29 يناير 1944، في ذلك اليوم اكتسح جمهور من المتظاهرين شوارع الرباط مرددين شعارات المطالبة بالاستقلال، وبلغني صدى هذه المظاهرات وأنا داخل المعهد المولوي، فتخطيت سوره والتحقت بالمتظاهرين".
وأضاف رضوان الله عليه، مبرزا الأثر القوي لهذا الحدث التاريخي، إذ قال : "لقد ترك يوم 29 يناير بصماته بعمق في ذاكرتي، كان معي يومئذ ثلاثة من رفاقي في المعهد وكنا نصيح بصوت واحد : سنحصل على الاستقلال".
وأمام حملة القمع الاستعمارية التي تلت تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، ألح رمز المقاومة، جلالة المغفور له محمد الخامس، قدس الله روحه، على الإفراج عن المعتقلين جميعهم، لكن سلطات الحماية استغلت مقتل أحد الأوروبيين لتطوق المدينة، وتقوم بإنزال قواتها، وأطلقت النار على المتظاهرين الذين دافعوا عن أنفسهم بكل شجاعة واستماتة، مما خلف شهداء رووا بدمائهم شجرة الحرية، ومعتقلين صدرت في حقهم أقسى الأحكام
وكان لمدينة سلا إسهام بارز في هذه الانتفاضة العارمة التي اندلعت مواجهة للغطرسة الاستعمارية، وتأييدا لمضمون وثيقة المطالبة بالاستقلال، ودفاعا عن مقدسات الوطن، إذ هب وطنيون أفذاذ من هذه المدينة في انتفاضة تاريخية، مخترقين شوارعها متحدين قوات الاحتلال وهجومها الشرس الذي أدى إلى سقوط شهداء أبرار بذلوا أرواحهم فداء للوطن, تغمدهم الله بواسع رحمته وأسكنهم فسيح جناته.
واتسع هذا الحدث، وامتدت المظاهرات لتشمل مختلف المدن المغربية، كفاس ومكناس ومراكش وغيرها من المدن الأخرى.
وتسارعت الأحداث لتحتدم المواجهة بين الوجود الاستعماري والقصر الملكي، إذ أقدمت سلطات الحماية في 20 غشت 1953على نفي بطل التحرير وأسرته الملكية الشريفة، في محاولة يائسة لإخماد الروح الوطنية، مما أجج شعلة الكفاح الوطني لتنطلق المقاومة المسلحة والمظاهرات العارمة وعمليات جيش التحرير، إلى أن تحققت إرادة العرش والشعب، وعاد رمز المقاومة، جلالة المغفور له محمد الخامس، قدس الله روحه، منصورا مظفرا من المنفى إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1955، رفقة شريكه في الكفاح جلالة المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراه، والأسرة الملكية الشريفة حاملين بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية، وبزوغ فجر الحرية والانعتاق.
وحظيت هذه الملحمة البارزة، والمحطة التاريخية المهمة في تاريخ الشعب المغربي، بعناية موصولة، واحتفاء دائم ومستمر، ومن ذلك تنظيم مهرجان كبير بمناسبة الذكرى الخمسين لها، تحت الرعاية الملكية السامية، إذ تفضل جلالة المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراه، فأناب عنه سمو ولي العهد آنذاك، جلالة الملك محمد السادس، لازاحة الستار يوم 29 يناير1994، عن اللوحة التذكارية المقامة تخليدا لأحداث يوم 29 يناير1944 بساحة مسجد السنة بالرباط، برورا بأبطال هذه الملحمة الخالدة وامتنانا من الأجيال الصاعدة لهؤلاء الأبطال الذين أبلوا البلاء الحسن، بقيادة العرش العلوي المجاهد، دفاعا عن عزة الوطن وكرامته.
وإن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش لتحرير إذ تخلد الذكرى الـ 63 لانتفاضة 29 يناير 1944، تسعى إلى إبراز دلالات هذا الحدث، وتلقين معانيه للأجيال الصاعدة واللاحقة والمتعاقبة، وتعريفها بفصول تاريخ كفاحنا الوطني الخالد، الذي يعد بحق أعز ممتلكاتنا، تمشيا مع التوجيهات السامية لصاحب الجلالة، الملك محمد السادس، للتزود من معاني الجهاد واستحضار بطولات الشهداء، والإشادة بأدوار مختلف شرائح المجتمع في ملحمة العرش والشعب المجيدة.
رحم الله شهداء معركة الاستقلال والوحدة، وفي طليعتهم بطل التحرير، جلالة المغفور له محمد الخامس، رضوان الله عليه، ورفيقه في الكفاح والمنفى، جلالة المغفور له الحسن الثاني، قدس الله روحه، وحفظ بالسبع المثاني، جلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده وأقر عينه بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير المحبوب، مولاي الحسن، وشد أزر جلالته، بشقيقه صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي رشيد، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، والشعب المغربي الوفي على الدوام لمقدساته، والمجند في تعبئة شاملة ومستمرة بقيادة العرش العلوي المنيف، في مسيرات الملاحم والمكارم لإعلاء صروح المغرب الجديد في مختلف الميادين والمجالات.
واحتفاء بهذه الذكرى أعدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير برنامجا حاشدا يتضمن على الخصوص الوقوف أمام اللوحة التذكارية المخلدة لهذه الذكرى بساحة جامع السنة بالرباط، والترحم على أرواح الشهداء فضلا عن تنظيم مهرجان خطابي بسلا.