قال حفيظ بوطالب جوطي رئيس جامعة محمد الخامس بالرباط، ورئيس اللجنة الوطنية العلمية المكلفة بإعداد رؤية استراتيجية للبحث العلمي في أفق 2025 ومخطط خماسي 2010/2006، إن الملتقى الوطني للبحث العلمي والتكنولوجي المنعقد بالصخيرات، جاء في وقته، لتذويب الجمود الذي
مشيرا إلى أن الحكومة راهنت على هذه التظاهرة الوطنية الأولى من نوعها، والتي يلتئم فيها جميع الفاعلين والباحثين في هذا المجال من داخل المغرب وخارجه، لإعطاء دفعة قوية للمنظومة العلمية الوطنية، حتى تسير في وتيرة تصاعدية من حيث الإنتاج العلمي، بغية ربح رهان المعرفة والابتكار مستقبلا .
واعتبر بوطالب، في حديث لـ "الصحراء المغربية"، على هامش أشغال الملتقى الوطني للبحث العلمي والتكنولوجي الذي نظمته وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس, على مدى يومين (الجمعة والسبت)، تحت شعار "المعرفة والابتكار، طريقنا إلى المستقبل"، أن تقدم مجال البحث والابتكار، لن يتأتى، إلا بقيام منظومة وطنية للبحث العلمي بكل المواصفات التي تمتاز بالاستقلال الذاتي.
وتابع موضحا "اليوم نحن هنا في هذا الملتقى من أجل أن نقول أن البحث العلمي يجب أن يصبح منظومة قائمة الذات ومستقلة، لها وسيلتها الخاصة في التفاعل والتطبيق، ولها إمكانياتها لرصد الآفاق واستشراف المستقبل".
وأوضح رئيس اللجنة الوطنية العلمية لإعداد رؤية استراتيجية للبحث العلمي في أفق 2025 ومخطط خماسي 2010-2006، أن من بين أهم الصعوبات التي اصطدمت بها اللجنة أثناء اشتغالها، غياب قاعدة موحدة للمعطيات، مشيرا إلى أن الحكومة ووزارة التعليم "انتبهت لهذا الموضوع المهم، وأحدثت المعهد المغربي للإعلام العلمي والتكنلوجي، الذي سيفتح أبوابه خلال السنة الدراسية 2007/2006، إذ سيمكن الباحثين من قاعدة معطيات موحدة، وحتى لا تبقى متضاربة في نتائج وخلاصات أبحاثهم".
٭ ما هي المرجعيات التي ارتكزت عليها اللجنة في إنجاز هذه الرؤية الاستراتيجية؟
ـ لقد ارتأت اللجنة الدائمة للبحث العلمي والتكنولوجي التي يرأسها الوزير الأول ادريس جطو، وبعضوية حوالي 13 وزيرا، منذ سنة 2001، أن تحدد ستة محاور أساسية بالنسبة للبحث العلمي ببلادنا، ومنها تحسين شروط الحياة، والبيئة، والصحة، وتقنيات الإعلام والتواصل، والاهتمام بالثقافة، والاهتمام أيضا بالبحث العلمي الأساسي.
هذه المحاور هي التي جعلت الوزارة في ما بعد، تحدث برامج لدعم البحث العلمي، وبرامج موضوعاتية للبحث العلمي مولتها على مدى خمس سنوات الأخيرة.
وتعد مواضيع البحث ومحاوره مهمة جدا بالنسبة لمستقبل البحث ببلادنا، لذا ارتكز عليها عمل اللجنة الوطنية المكلفة من طرف وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي في بحثها، وقامت باستجواب الباحثين والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وتوصلت إلى نتائج مهمة جدا.
وتوصلت إلى أن 89 % من الباحثين الذين استقرأت آراؤهم يقولون بأن المواضيع التي حددتها اللجنة الوزارية في 2001، هي مواضيع لازالت ذات أهمية استراتيجية الآن، لذا اشتغلت اللجنة على هذه المواضيع، وعملت أيضا على إضافة موضوعين أساسيين، خرجا من استقراءات الرأي التي أجرتها.
ويتعلق الموضوع الأول بتدبير الكوارث، لكون هذا المجال أصبح من المجالات الاستراتيجية ببلادنا الآن، سواء مثلا في تدبير المجالات الاقتصادية، أو كوارث الزلازل، أو مرض أنفلونزا الطيور الذي يطرح نفسه حاليا بحدة .أما المحورالثاني فيرتبط بمفهوم البيوتكنولوجيا، على اعتبار أن التكنولوجيات الحيوية، تعرف حاليا تقدما سريعا وانتشارا واسعا في الدول المتقدمة.
٭ ما هي الغاية من تقسيم مواضيع هذا الملتقى إلى ثلاث ورشات؟ ـ في الحقيقة هذه الورشات تقسم العمل إلى مجموعات، حتى يكون أكثر فعالية وتنظيما، إذ أن هناك 600 باحث وأستاذ باحث وفاعل اقتصادي واجتماعي سينكبون على مناقشة القضايا المرتبطة بالبحث العلمي والتكنولوجي في المغرب، لذلك ارتأت اللجنة الوطنية المكلفة بإعداد مشروع رؤية استراتيجية للبحث العلمي الوطني في أفق 2025، وخطة عمل خماسية للفترة ما بين 2006 و2010، أن تقسيم العمل إلى ورشات سيكون أفيد، على اعتبار أن تقسيم المواضيع سيسمح بنقاش أوسع لمحاور هذا الملتقى للخروج برؤية واضحة.
وتمحورت الورشة الأولى التي برمجناها حول موضوع "البحث والتنمية والابتكار ونقل التكنولوجيا"، إذ تضم مجموعة من الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وباحثين وأساتذة باحثين، ومن مهامها الخروج بتوصيات تهم كيفية ربط القطاع الاقتصادي والاجتماعي في بلادنا بالبحث العلمي عن طريق خلق برامج جديدة تكنولوجية، من أجل إعطاء المقاولات المغربية المنافسة التي تحتاج إليها، ومواكبة التطورات التكنولوجية لخلق القيمة المضافة لهذه المقاولات.
أما الورشة الثانية فيتعلق محورها بـ "الحكامة والتمويل"، لأن مشاريع البحث العلمي والتكنولوجي لا يمكنها أن تقوم بدون التمويل، إذن يتضح أن التمويل هو مهم لهذا البحث، وعندما أتكلم عن التمويل أتكلم عليه بجميع أنواعه وأشكاله، سواء كان التمويل العمومي أو الخصوصي، لأن هناك تمويل يأتي من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (عمومي)، وآخر يأتي من قطاعات أخرى كالفلاحة والصيد البحري والصحة (خصوصي).
واعتبارا لكون مشكل الحكامة أضحى أمرا مطروحا الآن بشكل ملح، من أجل الوصول إلى منظومة وطنية للبحث العلمي، كان لزاما علينا تحديد آليات هذه المنظومة، وكيفية عملها، وكيفية التنسيق والتناغم في ما بينها، حتى نعطيها إمكانيات الاستباق واستشراف الآفاق.أخيرا هناك ورشة ثالثة مخصصة لمحاور ومواضيع البحث العلمي، إذ وجدت اللجنة الوطنية أنه لا يمكن أن نتصور بحثا علميا بشكل عشوائي، وبالتالي لابد لمحاور البحث أن تضبط من طرف الهيئة السياسية للبلاد، نظرا لأهميتها وحيويتها ومدى خدمتها للبلاد.
٭ ما مصير الخلاصات والتوصيات التي ستتمخض عن هذه الورشات؟
ـ يمكن أن أقول إن هذا الملتقى الوطني يعد الأول من نوعه الذي ينظم حول البحث العلمي بالمغرب، بالمقارنة مع اللقاءات الأخيرة التي انعقدت حول الموضوع نفسه.
ويكمن تميزه في كونه سيقدم رؤية واستراتيجية للبحث العلمي في أفق سنة 2025 وخطة عمل برسم2006/2010، أما اللقاءات الأخرى فكانت لقاءات حول مواضيع معينة
ومع ذلك، فإن التوصيات التي خرجت بها هذه اللقاءات، جرى تتبعها من طرف المشاركين في هذا الملتقى وأخذها بعين الاعتبار، خلال الجلسة الافتتاحية، أما الخلاصات التي ستخرج بها ورشات هذا الملتقى، فهناك لجنة قرر الوزير الأول إدريس جطو إحداثها لتتبع تنفيذ توصيات واقتراحات هذا الملتقى، ستتكلف بمتابعة تنفيذ هذه الرؤية والخلاصات التي ستتمخض عن الورشات الثلاث.
٭ في رأيكم ما هي الإجراءات العملية التي يمكن أن يرفع بها المغرب من سرعته القصوى في مجال البحث العلمي والتكنولوجي؟
ـ انطلاقا من رصد لواقع البحث العلمي والتكنولوجي ببلادنا، لاحظنا بأن المغرب قام بمجهود جبار منذ 1990، إذ ضاعف إنتاجه العلمي مرتين خلال هذه العشرية (أي من 1990 إلى 2005)، وهو ما أدى إلى تضاعف الإنتاج بين 1990إلى 1995، وتضاعف أيضا في المرة الثانية بين 1995 إلى 2001.
ورغم هذه النتائج، لاحظت اللجنة أثناء اشتغالها على واقع البحث العلمي بالمغرب وآفاقه، أن الانتاج العلمي والتكنولوجي بالمغرب توقف واستقر في منحى واحد بعد سنة 2003، وبدأ مع مرور الوقت في الانحدار.
أكيد أن الحكومة، ووزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي حبيب المالكي، كانا على علم بهذا التجميد وعملية الانحدار، لذا كان الرهان على هذا الملتقى، الذي جاء في وقته، لكي يعطي دفعة قوية للمنظومة العلمية الوطنية، لأن تسير على وتيرة تصاعدية من حيث الإنتاج العلمي.
وأظن أن هذا الأمر لن يتأتى طبعا، إلا بقيام منظومة وطنية للبحث العلمي بكل المواصفات التي تمتاز بالاستقلال الذاتي، لأن البحث العلمي ببلادنا كان مرتبطا دائما في السابق بالتعليم العالي، وبالتالي كان يعتبر كنشاط ثانوي بالنسبة للتعليم العالي
اليوم نحن هنا من أجل أن نقول إن البحث العلمي يجب أن يصبح منظومة قائمة الذات ومستقلة، لها وسيلتها الخاصة في التفاعل والتطبيق، ولها إمكانياتها لرصد المستقبل واستشراف الآفاق.
ومن بين أهم التوصيات التي سنخرج بها، والتي تكلم عنها كل من الوزير الأول ووزير التعليم، قيام منظومة وطنية للبحث العلمي، وإعطاؤها وسائل تدبيرها الذاتية الخاصة بها لكي تضطلع بالوسائل المنوطة بها، وأهم هذه المهام ربط الاقتصاد الوطني بمجمع البحث العلمي والتكنولوجي.
٭ أهم المعيقات والمشاكل التي اصطدمت بها اللجنة الوطنية العليمة أثناء اشتغالها؟
ـ من بين المعيقات الأساسية التي واجهتنا، غياب قاعدة موحدة للمعطيات، إذ كنا نجد في كل عينة اشتغلنا عليها رقما في شكل مختلف، لذا ومن أجل أن يسير البحث العلمي بمنحى تصاعدي، يجب أن لا تبقى في المغرب معطيات مختلفة وغير موحدة.
لقد انتبهت الحكومة والوزارة لهذا الموضوع المهم، وأحدثت المعهد المغربي للإعلام العلمي والتكنلوجي، الذي سيفتح أبوابه خلال السنة الدارسية 2006/2007، وسيمكن هذا المعهد الباحثين من قاعدة معطيات، حتى تكون المعطيات موحدة لكل الباحثين، وحتى لا تبقى متضاربة في نتائج وخلاصات أبحاثهم، هذا يعطي رقما والآخر يعطي رقما آخر .
يمكن أن نقول إن هذا الإشكال الذي اصطدمنا به، لا يشكل معيقا في الدول الأخرى، لأنها تتوفر على قاعدة معلومات وأرقام موحدة ومتعارف عليها، بعكس المغرب إذ خلق لنا هذا المشكل نوعا من الارتباك، وجعلنا نعطي توقعات عليا وتوقعات دنيا، ويبقى طبعا مجال البحث فضاء واسعا، لكن يمكن تدقيقه أكثر بقاعدة من المعلومات مدققة ومضبوطة أكثر .