المهمة الإفريقية للمغرب

الإثنين 27 فبراير 2006 - 18:22

بفضل الزيارة الرسمية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، التي بدأها أمس الاثنين إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، المحطة الأخيرة من الجولة الملكية، التي شملت أيضا غامبيا والكونغو والغابون، يواصل المغرب، بجد وتأن، "اختراقه" الدبلوماسي للقارة الإفريقية.

وفي الواقع، هذه هي المرة الأولى، التي يزور فيها جلالة الملك ثلاثة بلدان من إفريقيا الغربية، أصبحت محط اهتمام وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة، إما بفضل التحولات، التي تعيشها بعض الدول، أو بسبب الاضطرابات التي تشهدها.
وكمثال على ذلك، فجمهورية الكونغو برازافيل، التي يتزعمها الرئيس دونيس ساسو نغيسو، عاشت واحدة من أسوأ الحروب الأهلية سنة 1997، وهي تعيش اليوم في ظل استقرار دستوري
وبالمقابل، فالجمهورية الديموقراطية للكونغو /الزايير سابقا/ لم تكمل بعد مسيرتها الانتقالية، رغم الإعلان رسميا عن دستور جديد منذ بضعة أيام من قبل الرئيس جوزيف كابيلا، الذي خلف والده /لورون ديزيري كابيلا/، الذي اغتيل بعد أن أبعد الرئيس السابق موبوتو سيسي سيكو عن السلطة.
ومعلوم أن إفريقيا الغربية، التي هي بمثابة شبه قارة وبطن إفريقيا، الذي يختزن ثرواتها، معظمها دول فرنكفونية.
وهي بذلك تتمم مجموع الدول، التي زارها جلالة الملك منذ ست سنوات، وهي : السينغال والغابون والكامرون والبنين وبوركينا فاسو، بالإضافة إلى إفريقيا الجنوبية التي زارها جلالته خلال حضوره قمة الأرض.
وهو ما يعني أن هذه الزيارة تأتي في إطار استمرارية مضمونة وخط مرسوم ومتبع بعناية، يسير في اتجاه شراكة متجددة، وليس بروح الغزو أو الاستغلال.
وقد كسب المغرب رهان جعل هذه الدول تنخرط في تصوره للتبادل، الذي يتبناه، ويأخذ على عاتقه أن يكون تعاونا بين دول الجنوب في ما بينها.
وهو يقترح شراكة في المجالات الكبرى المتعلقة بالقطاعات الاقتصادية والاجتماعيةوالتكنولوجية المدرة للوظائف والأرباح، سواء تعلق الأمر بالصيد البحري أو الفلاحة أو الصناعات الغذائية أو الصحة أو التعاون الجامعي والتكوين خصوصا عبر إعطاء منح دراسية للطلبة الكونغوليين.

"نحن نقترح عليكم التعاون في ما نتقن القيام به"، هذا تعبير مختصر للفكرة الجوهرية التي تبسطها الحكومة المغربية باتجاه شركائها الإفريقيين.
ولسان الحال يقول : "سنجنبكم الأخطاء، التي ما فتئنا نرتكبها على مدى تجربتنا الطويلة".
وهذا ترجمة للواقعية المجردة من كل استعلاء، والإرادة الأخوية لتبليغ، أو بالأحرى تقاسم القيم باسم روح التضامن.
وقد أكدت مرحلة برازافيل هذا الانشغال الواضح بالتركيز على القطاعات المهمة من قبيل النقل والصحة والفلاحة والصيد البحري، وهي قطاعات يتفوق فيها المغرب بتجربة طويلة ومؤكدة، ويمكن أن يمنح فيها "مساعدات" مهمة.
ويعني التعاون "جنوب/جنوب" كما ما فتئ يؤكد على ذلك مسؤولو البلدين شراكة استراتيجية
وفي هذا الصدد فإن القطاعات العامة والخاصة مدعوة لمضاعفة جهودها، وعلى الانخراط لإعطاء هذه الشراكة معنى وحمولة حقيقية.
وكمثال على ذلك فالبنك المغربي للتجارة الخارجية ومنذ سنتين بدأ يلعب دورا رائدا في إفريقيا، إذ أصبح يملك 25 بالمائة من البنك الكونغولي، ويساهم في تكوين أطر هذه المؤسسة الوطنية التي تملك الدولة أكثر من 60٪ من رأسمالها.
أما دورها فيرتكز على تمويل الاقتصاد والتنمية الوطنية وإقامة تعاضد اجتماعي وأخيرا تثمين الموارد البشرية.
والكل هنا يتفق على إبراز النموذج البناء لبنك مغربي استطاع أن يتمركز في الكونغو بعد أن فتح فروعا له في مالي والسينغال، وهو بذلك يفتح آفاقا غير مسبوقة في القارة الإفريقية، ويترجم في نهاية المطاف في الواقع اليومي مبدأ التعاون جنوب/جنوب.
ويمكن أن نشير إلى التواجد الكثيف للجالية المغربية في العاصمة الكونغولية والمتمركزة على الخصوص ببوانت نوار في أقصى غرب البلاد، على الشاطئ الأطلسي والتي تمثل ثاني أكبر مدينة في البلاد، وتزخر بثروات كثيرة من النفط والخشب.

وتنشط هذه الجالية في مجالي التجارة والمبادلات، وتنافس أيضا الجالية اللبنانية في هذا المجال.
النموذج الثاني يتجسد في قطاع النقل البري، حيث وضع المغرب تجربته الطويلة، امتثالا لأوامر ملكية سامية، ويستعد لفتح خط جوي بين الدار البيضاء وبرازافيل.
وسيمثل هذا الخط، كما ما فتئ الطرفان يؤكدان على ذلك، قنطرة وصل بين شعبي البلدين
وستساهم في توسيع التجربة التي أحرزها المغرب مع السينغال، بفضل الشركة. المغربية/السينغالية التي حققت أكبر رقم معاملات السنة الماضية وتغري الكثيرين بتقليدها
ببطء لكن بعزيمة قوية، تقود الدبلوماسية المغربية اختراقها للقارة، وذلك عبر تجسيد التعاون المغربي الكونغولي على أرض الواقع، واتخاذ إجراء استعجالي لتطبيق هذا التعاون واحترام أجندة المشاريع المذكورة سابقا.
ورغم غياب المغرب عن الاتحاد الأوروبي، فذلك لم يمنع المملكة، وهو ما خلف استياء كبيرا لدى الكثير من الدول، من نسج وتطوير علاقات ثنائية مثمرة مع غالبية الدول والشعوب الإفريقية، ومن الاستفادة من تعاطفها في كل الامتحانات، ومن تعزيز سمعته كل يوم.
ويعود الفضل بالتأكيد في كل ذلك إلى رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس الذي يجسد الآمال الإفريقية وأيضا انتظارات جيل شاب متعطش للتفتح والحرية.




تابعونا على فيسبوك