تواصل قيادة البوليساريو ـ مدعومة من طرف السلطات الجزائرية ـ استفزازاتها للمغرب، ومحاولة تضليل الرأي العام الدولي وإحراج الأمم المتحدة .
ذلك أن إصرار قيادة البوليساريو على إقامة احتفالاتها (يوم 27 فبراير) بمنطقة تفاريتي التابعة لإقليم السمارة، والإقدام على بناء آلاف الخيام والمنشآت وما يسمى البرلمان الصحراوي في تلك المنطقة، يعتبر آخر ما ابتدعته الأجهزة الجزائرية وقيادة البوليساريو، من استفزازات وتحديات ومغالطات، ليس فقط ضد المغرب وتجاوز ما تم الاتفاق عليه في سبتمبر 1991، الذي جرى بموجبه وقف إطلاق النار وانتشار قوات الأمم المتحدة في المنطقة، ولكن أبعد من ذلك العمل على خلط الأوراق وإرباك الأمم المتحدة ووضع العراقيل الجديدة أمام مهمة المبعوث الأممي الجديد السيد بيتر فالسوم المكلف بملف الصحراء المغربية ممثلا للأمين العام للأمم المتحدة والذي تأكد بعد الاطلاع على مواقف الأطراف أنه من المستبعد مواصلة البحث عن حل نهائي سلمي خلال هذه السنة 2006، التي اعتبرها سنة "بيضاء" دون أية مبادرة أو محاولة تقديم مقترحات جديدة تقدمها الأمم المتحدة .
وارتباطا بذلك، فإن الفترة التي حددها الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، تتزامن مع انتهاء مهمة كوفي عنان كأمين عام، وانتخاب أمين عام جديد للأمم المتحدة، مما يعني أن السنة الحالية 2006، والسنة المقبلة 2007 لن تشهد أي جديد يصدر عن الأمانة العامة للأمم المتحدة.
والأمر كله متروك لأطراف النزاع مباشرة ربما خارج أروقة الأمم المتحدة، علما بأن المغرب الذي يطرح مبادرة الحكم الذاتي لايزال متشبثا بضرورة الارتكاز على دعم الأمم المتحدة خاصة مجلس الأمن الدولي لمبادرته السلمية.
إن جناحا من قيادة البوليساريو، المرتبط كليا بالأجهزة الجزائرية، مدفوع بكل قوة إلى العمل من أجل ارتفاع درجة التوتر والتخلص من كل الالتزامات ومعاكسة كل المحاولات والمبادرات الرامية إلى البحث عن الحل السلمي التفاوضي، وأكثر من ذلك العمل إذا أمكن على اختراق اتفاقية وفق إطلاق النار وجر المغرب إلى مواجهات ساخنة كما حدث في سبتمبر 1991، عندما قامت القوات المغربية بقصف المواقع التي أقامتها البوليساريو في منطقة تفاريتي ساعات قبل توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار وانتشار قوات المينورسو
وجبهة البوليساريو التي حاولت استغلال الأوضاع السياسية التوافقية في المغرب، وخاصة الحركات الاحتجاجية التي يقوم بها بعض الشبان الصحراويون، تحاول فرض واقع غريب ليس على المغرب فحسب، ولكن على بعثة المينورسو وعلى الأمين العام للأمم المتحدة المطالب بتقديم تقرير جديد حول الأوضاع في الصحراء خلال شهر أبريل المقبل 2006، حيث تنتهي فترة انتداب بعثة المينورسو من جديد، وينتظر تمديدها إلى نهاية السنة.
والمغرب الذي يقترح خطة جديدة لإقامة الحكم الذاتي في الصحراء، ويتطلع إلى إشراك سكان الأقاليم الصحراوية في تزكية هذه الخطة بعد استشارة الأحزاب الوطنية لضمان الحفاظ على دعم الاجتماع الوطني لكل الخطوات والمبادرات، ويحاول بالإضافة إلى ذلك فتح قنوات الحوار الجاد والإيجابي مع الجزائر، يواجه في كل مرة بغموض الوضع في الجزائر وغموض مواقفها من النزاع، خاصة بعد مرض الرئيس بوتفليقة وظهور صراعات داخلية جديدة بين أقطاب السلطة السياسية والعسكرية في الجزائر، وأبرزها ما ظهر من خلافات بين جبهة التحرير بقيادة عبد العزيز بلخادم الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية، والتجمع الوطني بقيادة أحمد أويحيا رئيس الحكومة الجزائرية، وكل منهما له تصور مختلف ومتباعد للعلاقات المغربية الجزائرية وللنزاع حول الصحراء.
وبين هؤلاء يقف السيد يزيد زرهوني وزير الداخلية الذي يفضل أخذ ـ العصا من الوسط ـ ووضع قضية الصحراء بين قوسين كما أكد في عدة مناسبات.
وداخل المؤسسة العسكرية أتاح مرض الرئيس بوتفليقة وغيابه بعد عودته من المستشفى بباريس، الفرصة أمام الجنرالات الذين يشكلون القاعدة الأساسية للنظام، للعودة والاستعداد للعب الأدوار التي كانوا يقومون بها قبل وبعد انتخاب الرئيس بوتفليقة
وتظهر النوايا المبيتة للأجهزة الجزائرية من خلال الاندفاع القوي في اتجاه التسليح وتنويع مصادره، لكسب الزبناء لأطروحة الانفصال من جهة، وللضغط على السلطات المغربية من جهة ثانية.
إن الجزائر التي وقعت صفقات الأسلحة مع روسيا ابتداء من سنة 2001 الى الآن، حرصت أخيرا على اقتناء 70 طائرة من نوع ميج 29 المتطورة، إضافة إلى 20 طائرة مقاتلة من نوع ميغ 29 M.S، و20 طائرة من نوع سوخوي و20 طائرة تكتيكية، هذا دون الإشارة إلى شراء أسلحة من إسبانيا وجنوب إفريقيا وأميركا.
وقد صرح سفير روسيا في الجزائر أخيرا بقوله إن الجزائر تقدمت من جديد بطلب شراء عتاد عسكري روسي متطور يخص السلاح الجوي وتجهيز القوات البحرية والبرية بمعدات جديدة.
ولاشك أن هذا الاندفاع نحو التسلح لا يقصد منه إلا ممارسة الضغوط واستفزاز المغرب ورشوة الزبناء.
إن نزاع الصحراء المفتعل يعتبر اليوم من أطول النزاعات في تاريخ الأمم المتحدة وأكثرها تسويقا، كما أكد جون بولطون مساعد جيمس بيكر السابق أمام منتدى الدفاع والسياسة الخارجية في الكونغريس الأميركي.
ويضيف المسؤول الأميركي أن جزءا من رؤيتنا حول قضية الصحراء كان ناتجا عن قراءة مستعجلة وخاطئة لدروس الأمم المتحدة وأن جزءا من المشكل الذي اعترضنا في قضية الصحراء يرجع سببه إلى حماسنا المفرط إزاء ميكانيزمات الأمم المتحدة
وخلص المسؤول الأميركي إلى القول "إننا في حاجة إلى تجنب المفاوضات داخل الأمم المتحدة".
وربما هذا هو الدرس الذي علينا أن نستخلصه من عجز الأمم المتحدة عن الحسم في النزاع ومن استفزازات الخصوم لمدى ثلاثين سنة.