تكتسي قدرا كبيرا من البرغماتية

التعيينات الملكية استجابة للتطلع من الحسن إلى الأحسن

الخميس 16 فبراير 2006 - 16:57

تندرج التعيينات التي قام بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الأربعاء، في صميم امتداد الدينامية التي أضفاها جلالته منذ اعتلائه العرش على كافة القطاعات والأنشطة، لاسيما تلك التي تهم حياة المواطنين بشكل مباشر، تلك الدينامية التي تحث على اعتماد تصور جديد

وتكتسي التعيينات الجديدة مغزى عميقا وقدرا كبيرا من البرغماتية، علما بأن الشخصيات التي جرى تعيينها تولت مناصب عليا بدواليب الإدارة العمومية، وهي بالتالي مؤهلة بما يكفي لإعطاء محتوى ومعنى لهذه الدينامية.

إن المسار المهني الذي سلكه هؤلاء المسؤولون، إلى جانب التجربة الطويلة التي راكموها على امتداد حياتهم العملية، سيتيح لهم رؤية شمولية لما ينبغي أن يكون عليه مغرب اليوم، وبالتالي استشراف مغرب الغد، وهو الأمر الذي يستوجب تفكيرا عميقا على أساس قاعدة معطيات واقعية، والسرعة في مسلسل اتخاذ القرار، وكذا في تنفيذ المشاريع التي يقع عليها الاختيار.

ومن هذه الزاوية، تأتي التعيينات الملكية السامية استجابة للتطع من الحسن إلى الأحسن.

وتعكس ملامح الشخصيات التي جرى تعيينها في مناصب رئيسية، هذا الحرص وهذه الضرورة اللذان يشكلان أساس الحكم المجدد لجلالة الملك وهو الحكم الذي يعبئ المواطنين ولا يقبل أي جمود يمكنه أن يؤدي إلى التأخر في وقت حدد فيه مناهج العمل الجديدة وأدخل إصلاحات كبيرة وجدد البنيات وأسس لعقلية تتماشى مع التجديد وأعاد دراسة الأولويات وأعطى انطلاقة أقطاب جديدة للتدخل على عدة مستويات.

ويتعلق الأمر هنا، بمقاربة شمولية تستبعد أي إغراء للسقوط في التفكير السطحي الذي قد يقودنا الى الإخفاقات أو شبه نجاحات، تلك المقاربة التي تقصي الرؤية التبسيطية للمشاكل التي يواجهها المغرب والتي لا يمكن لا الإفراط ولا التفريط في تقديرنا لحجمها.

وبالنسبة لهذا العمل اليومي على صعيد التوازن الفكري، وحصافة التدبير، فإن الإدارة العليا المغربية تبقى منفتحة ومستقبلة للجميع، مثلما تبرهن على ذلك اليوم التعيينات الملكية التي اعتمدت على الكفاءة والاستحقاق المهني والتجربة المكتسبة والتفاني في العمل والتحلي بروح المواطنة، وهي كلها عوامل لا يمكن بدونها أن تكون هناك إدارة مواطنة في خدمة الشعب.

وهذا يزداد أهمية عندما يتعلق الأمر بقطاعات أساسية مثل تلك التي شملتها هذه التعيينات.
وليس هناك من لا يمكنه إدراك أهمية الدبلوماسية في الوقت الذي يدافع فيه بلدنا عن قضية عادلة هي قضية وحدته الترابية وسيادته ومجاله الترابي.

كما أنه ليس هناك من يمكنه أن يتجاهل أهمية قطاعات الداخلية وديوان المظالم والفوسفاط وشركة الخطوط الملكية المغربية والقطاع السمعي البصري العمومي، والبريد وتنمية منطقة الشمال إلخ .

وهي كلها مجالات في حاجة دائمة إلى دماء ورؤى جديدة ومقاربات متجددة وعند الاقتضاء إعادة ملاءمتها أو حتى تصحيحها.

وقد أحدث ديوان المظالم، وهو الآلية المحفزة على احترام دولة القانون، من طرف صاحب الجلالة لتقديم نفس جديد يكفل حماية من هم في حاجة إلى حماية، ومساءلة من يتطلب الأمر مساءلتهم، ومن هذا المنظور فهو يقدم نفسه كمكمل ضروري للترسانة القانونية والمؤسساتية للدفاع عن حقوق الإنسان في بلادنا، ذاك الورش الكبير الذي حقق فيه المغرب خطوات متقدمة لقيت ترحيبا على المستوى الدولي بالنظر إلى الأثر الذي سيكون له على علاقات المواطنين مع الذين يتولون السلطة الإدارية .

وديوان المظالم بذلك، في تحرره من أي علاقة تراتبية مع أي إدارة مهما يكن نوعها، وفي استقلاله عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، مهيأ تماما لبحث الملفات في هدوء تام والحسم، بصفاء وإنصاف تامين، في الملفات المعروضة عليه.

وسيجد المواطن نفسه مطمئنا أكثر على حقوقه كما أن الإدارة، مبدئيا، ستعمل بعيدا عن كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تجاوزات للقانون وللأخلاق.
وبهذا تنتصر الحكمة، وستجد الإدارة والمواطن على السواء ما ينتظره كل منهما من ديوان المظالم.

ويبقى على الوالي الجديد لديوان المظالم أن يترجم على أرض الواقع هذا الحرص الملكي السامي على توفير العدالة للجميع.

وعلى صعيد آخر، فإن تعيين رئاسة موحدة للشركتين الوطنيتين للسمعي البصري، يعكس إرادة المغرب في أن يتموقع حيث يجب أن يكون موقعه ضمن فضاء تلفزي عالمي يزداد اكتظاظا كل يوم.

وفي زمن الصورة، فإن الاستراتيجية الاتصالية التلفزية والإذاعية مرحب بها من أجل دعم مجموعة الإصلاحات الهيكلية التي يعيشها المغرب خلال السنوات الأخيرة، لاسيما وأن التلفزيون يعد الوسيلة الإعلامية الأكثر استقطابا للجمهور بالمقارنة مع جميع باقي الوسائل الإعلامية الأخرى، فضلا عن أن الاتصال يشكل في حد ذاته قيمة ديمقراطية.

إن الهدف المنشود هو بالتأكيد بروز قطب عمومي قوي للإعلام السمعي البصري بتوخيه تحقيق القرب المتواصل مع الشعب ومع انشغالاته وتطلعاته.
ويبقى أن نوضح في النهاية أنه من بين الشخصيات التي عينها صاحب الجلالة الملك محمد السادس هناك شخصيات كانت تمارس نشاطها بالخارج ولبت بالتالي نداء الواجب الوطني من أجل المشاركة في بناء صرح الوطن.

إن الأمر لم يعد يتعلق اذن بهجرة الأدمغة، بل بالعودة إلى حظيرة الوطن لان ذلك أصبح يشكل أملا كبيرا لما فيه من تضافر جهود وخبرة ومعرفة كافة أبنائه، وأن الأمة لا يمكنها أن تزدهر وأن تتفتح وتتطور إلا بعمل ومجهود أبنائها.




تابعونا على فيسبوك