يقدم الأستاذ الباحث والمحلل السياسي محمد ضريف رؤية مختصرة محللة لعدد من القضايا التي ميزت سنة 2006 .
وقال إن المغرب يعرف بالفعل تطورات مهمة وملموسة على مستوى النهوض بالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
واعتبر ظريف أن نتائج الاستحقاقات التشريعية التي ستعرفها البلاد في 2007 ما هي إلا ثمرة الجهود التي تبذلها الدولة من أجل الحد من الإفساد الانتخابي، في إشارة منه إلى إرادة السلطات العمومية الراسخة في تحيين ظروف سليمة للأجواء الانتخابية.
وأوضح الأستاذ الجامعي أن السلطات العمومية تنتهج مقاربة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها المقاربة الأمنية بالمقاربة الدينية والثقافية والسوسيو اقتصادية.
وذلك عن طريق انخراط الدولة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وعملها على إعادة تأهيل الحقل الديني وفق استراتيجية دينية جديدة.
وأكد أن الظرفية الدولية هي التي لا تساعد المغرب في احتوائه لمشاكله الاجتماعية والاقتصادية، بالنظر إلى تأثير سوق النفط في اقتصاديات الدول، معبرا عن تفاؤله إزاء الجهود التي تبذلها الدولة من أجل تحسين الأوضاع التي لا يمكن القول إنها سيئة إلى درجة دق ناقوس الخطر.
٭ من القضايا التي أثارت الجدل في المغرب خلال سنة 2006 قانون الانتخابات
ماهو تقييمكم لهذه المحطة؟
- الاستحقاقات التشريعية التي سيعيشها المغرب في 2007، تعتبر ثاني انتخابات على صعيد مجلس النواب في عهد الملك محمد السادس، بعد استحقاقات 27 شتنبر 2002
وكما هو معروف، اعتمد المغرب قانونا للانتخابات اعتمد لأول مرة نمط الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي.
طبعا كانت هناك ردود فعل متباينة حول الكيفية التي طبق بها ذلك النمط وكانت تساؤلات حول إمكانية الوصول إلى الأهداف التي حددت.
وفي إطار هذه الاستفسارات طرح نقاش حول ضرورة إدخال تعديلات على مدونة الانتخابات بشكل عام.
الآن تظل الكثير من المقتضيات التي أطرت هاته المدونة، بشكل عام، مثار الجدل لأن الإشكال لم يكن حول نمط الاقتراع المعتمد بحيث كان هناك شبه إجماع حول ضرورة الإبقاء على الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي، ولكن الخلافات تركزت أساسا على محورين أساسيين الأول متعلق بالعتبة التي تمكن الحزب من الحصول على تمثيلية سواء على صعيد انتخابات الدوائر أو على صعيد التمثيلية في اللوائح الوطنية المخصصة للنساء، والثاني حول فرض بعض الشروط على الأحزاب التي لم تحصل على 3 في المائة في انتخابات 2002 أو الأحزاب الجديدة، حيث فرضت شروط لمنح التزكيات.
إذن، النقاش في الواقع لم يكن حول جوهر قانون الانتخابات الذي كان يجب أن يرتكز أساسا على نمط الاقتراع وعلى التقطيع الانتخابي، فقد لاحظنا أنه تم الحفاظ على نمط الاقتراع كما هو، كما جرى الحفاظ على التقطيع الانتخابي إلى حد ما.
في حين وقع السجال بين الأحزاب الصغيرة أو الأحزاب الجديدة وبين أحزاب الأغلبية الحكومية.
بحيث وجهت الأحزاب الصغيرة اتهامات للأغلبية باعتبارها صاغت هذا القانون بعقلية إقصائية، معبرة بذلك عن حقيقة توجهاتها الإقصائية، في الوقت الذي كانت أحزاب الأغلبية تدعي الدفاع عن مشروعها، انطلاقا من كونها ترغب في محاربة بلقنة المشهد السياسي
وهكذا نجد أن كل الجدل الذي أثير حول قانون الانتخابات لم يرق إلى مستوى النظر في ما هو أساسي، وظل منحصرا في النقاش حول الملابسات السياسية التي حكمت صياغة هذا القانون.
٭ في السياق نفسه، يبقى أكثر حدث ميز هذه السنة هو انتخابات تجديد ثلث أعضاء مجلس المستشارين هذه الانتخابات التي مثلت ربما سابقة في إفرازها عدة متابعات قضائية لمن اتهموا بالفساد الانتخابي كيف تنظرون إلى هذه السابقة؟ وهل تعتقدون أنها ستشكل مرحلة جديدة لتنزيه الانتخابات؟
- لقد قيل الكثير عن انتخابات 2002 أولا، بحيث كان هناك حديث عن الشفافية والنزاهة اللتين ميزتا هذه الانتخابات وكانت تقريبا كل الأحزاب متفقة على أنها مرت في ظروف سليمة، وبالتالي كان الكل جاهزا للاستحقاقات المقبلة في 2007 باعتبار أن الجميع يركز على توفير شروط النزاهة والشفافية من أجل فرض خريطة سياسية تعبر عن إرادة الناخبين.
و اعتبرت محطة 8 شتنبر محطة انتقالية إلى حد ما، بمعنى أننا كنا نريد أن نختبر بالفعل مدى التحول الذي وقع لدى الكتلة أو لدى المرشحين والأحزاب السياسية، ولدى ما يسمى بالناخبين الكبار، أي أن تجديد ثلث المستشارين كانت تشكل مؤشرا أساسيا من المؤشرات التي قد تبين طبيعة الظروف والسياق الذي ستجرى فيه استحقاقات 2007
لكن مع الأسف، الكل فوجئ بالتلاعبات التي طالت هذه العملية الانتخابية، والكل تحدث عن الإفساد الانتخابي.
فلا يمكن القول بالقضاء على الإفساد الانتخابي، لأن الأمر صعب جدا ولكن كل ما كان يطالب به الرأي العام هو ألا تسلك السلطات العمومية مسلكا سلبيا اتجاه هذه الخروقات بمعنى هناك قانون يعاقب من يفسد العملية الانتخابية وأن دور السلطات العمومية يكمن في التزام الحياد الإيجابي، بمعنى أنها تحمي الانتخابات بتطبيق القانون وأعتقد أن هذا الخيار عبرت عنه السلطات العمومية بشكل واضح، عندما حركت ملف المتابعة اتجاه بعض المستشارين، وإذا كانت السلطات العمومية نصبت نفسها طرفا في متابعة المفسدين، فإن الشيء الذي لم يكن منتظرا هو ردود فعل بعض الأحزاب السياسية التي اعتبرت أن متابعة مستشاريها أو مرشحيها فيه نوع من المساس بها، وأن المتابعة كانت انتقائية حاولت أن تميز بين الأحزاب، ولهذا نجد بعض قاداتها أصدروا تصريحات شديدة اللهجة
وهكذا نلاحظ أنه حينما تبدي السلطات العمومية حزما في هذا الاتجاه تحاول القوى السياسية، التي يفترض فيها أن تكون سباقة لتخليق الحياة السياسية، بشكل من الأشكال حماية عملية الإفساد.
٭ لكن هناك انتقادات وجهت للسلطات العمومية كونها لرصد هذه الخروقات، لجأت إلى وسائل تنصت على الهواتف مثلا هل تعتقدون أن الدولة توفقت في جعل هذه الممارسة رادعا ووسيلة للحد من الإفساد الانتخابي؟
- أعتقد أنه لحماية العملية الانتخابية وللتوفر على أدلة تدين الأشخاص، كان من الضروري أن تلجأ السلطات إلى أفضل الوسائل لإثبات الخروقات.
لهذا، أعتقد أن عملية التنصت التي قامت بها السلطات مشروعة قانونا، ثانيا، لا يمكن أن نحمي المفسدين بالطعن في هذه العملية مادامت أثبتت بالملموس أن أشخاصا معينين قاموا بإفساد العملية الانتخابية .
فإذا كان هناك من يدعو إلى اللجوء إلى الأخلاق، لكن نتساءل هل ماقام به هؤلاء له علاقة بالأخلاق.
لقد بينت مضامين المكالمات الهاتفية أن هؤلاء المرشحين استعملوا كلمات في وصف الناخبين لاتليق بالأخلاق ولا باحترام حقوق الإنسان.
٭ هذه السنة أيضا تميزت بالوتيرة المتسارعة بتفكيك خلايا الإرهاب حيث ظهرت أسماء وخلايا متعددة إلى أي حد يتوفق المغرب مرة أخرى في محاربة الإرهاب عن طريق اكتشاف هذه الخلايا؟
- هنا في المغرب أعتقد أن السلطات العمومية تحاول أن تنتهج مقاربة متعددة الأبعاد، لأنه لايمكن ارتكاز على المقاربة الأمنية فقط، بل على مقاربة تعتمد كل الجوانب الدينية والجانب الثقافية والسوسيو اقتصادية.
وهذا ما تقوم به الدولة التي انخرطت في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وعملت على إعادة تأهيل الحقل الديني وفق استراتيجية دينية جديدة، كما تقوم على المستوى الثقافي بجهود لتطويق الأفكار الظلامية، إضافة إلى المجهود الأمني، بحيث أن الأجهزة الأمنية نجحت في تفكيك مجموعة من الخلايا، ننتظر أن يقول القضاء كلمته فيها، خاصة جماعة أنصار المهدي وجماعة التوحيد والجهاد ومجموعات أخرى.
ماهو جديد بالنسبة إلينا هو أن وزارة الداخلية أعلنت عن خطة جديدة في تعاونها مع قضايا الإرهاب.
هذه الخطة هي التي عبر عنها البيان الصادر عن الوزارة أخيرا عندما تحدث عن مفهوم جديد هو مفهوم الحملات الاستباقية، أي عوض أن تتخذ السلطات موقفا انتظاريا تجاه بعض المشتبه بهم فهي تعمل على إيقاف مجموعة من الأشخاص غير المتهمين أو غير المتورطين ولكن تحوم حولهم الشبهات فيتم التحقيق معهم من أجل الوصول الى حقيقة الأفعال التي قد يقومون بها.
وأكيد أنه لا يحتفظ إلا بالقليل ممن جرى توقيفهم وهذا تصور جديد يعبر عن استراتيجية أو خطة جديدة تعتمدها السلطات في التعامل مع قضايا الإرهاب.
٭ أين نحن اليوم من رؤى جماعة العدل والإحسان التي كانت تنذر بقومة 2006؟ - أعتقد، وهذا موقف عبرت عنه مرارا، أنه ينبغي التميز بالنسبة إلى آلية اشتغال جماعة العدل والإحسان بين مستويين : المستوى الديني أو التربوي والمستوى السياسي
فهناك هيآت داخل جماعة العدل والإحسان تناط بها مهمة العمل التربوي والديني وهي مجالس النصيحة، وهناك هيآت أخرى تناط بها مهمة التأطير السياسي، وهي الدائرة السياسية.
عندما كان هناك حديث في البداية عن رؤية 2006 فهي جرت في إطار الهيآت المكلفة بالعمل التربوي والديني ومعروف أن جماعة العدل والإحسان في ممارستها الدينية تعطي أهمية لهذه الرؤى ليس باعتبارها رؤى تغير أحكام الشرع أو تعدلها، وإنما كرؤى يستأنس بها من أجل تجديد الطاقات الروحية والنفسية إذن، هي ممارسات ليست جديدة فمنذ نشأة العدل والإحسان كانت هذه الرؤى متداولة لكن الجديد هو أن هناك جهات إعلامية وسياسية حاولت أن تخرج هذه الرؤى من سياقها أي نقلتها من مستوى التربوي إلى المستوى السياسي، وهذا النقل جرى توظيفه إعلاميا وسياسيا و تزامن مع بعض الردود العامة التي صدرت عن بعض قياديي العدل و الإحسان في ما يتعلق بهذه الرؤى
لكن بشكل عام أعتقد أن لا قيادات جماعة العدل والإحسان المعتمدة ولا بياناتها الرسمية لم تتحدث عن رؤى 2006 باعتبارها رؤى تحدد حدثا معينا فقط، إن البعض كان يعطي تأويلات لرؤى أتباعها، لهذا يمكن أنها وظفت من أجل التعبئة أو حتى دفع الآخرين بالاهتمام بالجماعة.
٭ هل تتفقون مع الطرح الذي يقول باكتساح الإسلاميين لانتخابات 2007؟
- لا بتاتا، لست متفقا، انطلاقا من تحديد مفهوم الاكتساح فإذا كنا نتحدث عنه بمفهوم أن حزب العدالة والتنمية سيحصل على الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب أي نصف المقاعد زائد واحد، فأعتقد أن هذا الأمر لن يتحقق وإذا كنا نتحدث عن الاكتساح بمعنى أن الحزب قد يحتل المرتبة الأولى من بين الأحزاب المشاركة في الانتخابات فهذا قد يحصل، ولكن لا يشكل اكتساحا.
أنا اعتقد أن هناك أربعة أحزاب أو على الأقل 5 أحزاب مؤهلة لاحتلال الرتبة الأولى في انتخابات التشريعية المقبلة وهي الاتحاد الاشتراكي، حزب الاستقلال، الحركة الشعبية وحزب العدالة والتنمية وربما التجمع الوطني للأحرار.
فحزب من هذه الأحزاب قد يفوز بالرتبة الأولى بالأغلبية النسبية وبالتالي لن يتمكن من تشكيل حكومة بمفرده بل لابد أن يتحدث عن تحالفات.
لكن أؤكد أن معنى الاكتساح بالأغلبية المطلقة فلن يتحقق لعدة اعتبارات منها طبيعة نمط الاقتراع المعتمد، والمنظومة الحزبية المعتمدة في المغرب، إضافة إلى الثقافة السياسية التي تخترق الكتلة الناخبة بحيث أن هذه الثقافة لا تميل أساسا إلى التصويت على اعتبارات دينية، بل لاعتبارات إثنية أو تلك المتعلقة بالثقافة الديمقراطية.
٭ بلغ ملف الصحراء المغربية منعطفا جديدا هذه السنة بطرح المغرب لمشروع الحكم الذاتي هل تعتقد أن هذا المشروع سيكون قابلا للتطبيق ومقبولا من قبل المنتظم الدولي، مع الأخذ بعين الاعتبار وجهات نظر الأطراف المعنية؟
- إن المغرب في إطار بحثه عن حل دائم ومتوافق عليه، توصل إلى صيغة الحكم الذاتي
اليوم قطعنا أشواطا مهمة، بعد أن قدمت الأحزاب تصوراتها، وكذلك المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، الذي بلور تصوره وقدمه للملك أكيد أن التصور النهائي للمشروع هو مسألة لا ترتبط بالمغاربة.
فهم منذ البداية متشبثون بأقاليمهم الجنوبية، وأعتقد أن استرجاع هذه الأقاليم جرى في إطار استكمال الوحدة الترابية إذن المشكل هو على مستوى المنتظم الدولي الذي عليه أن يتحمل مسؤوليته في ما يتعلق بهذا الملف، وأن يكون هناك نوع من الحرص خاصة وأن المغرب قدم تصورا للحكم الذاتي يراعي المعايير الدولية.
وهناك طرف آخر هو الجزائر وحينما نقول الجزائر، نقول كذلك بوليساريو لحد الآن لم تبد الجزائر أي مرونة اتجاه الموقف المغربي، والبوليساريو كذلك أعلن رفضه لهذا الحل فنحن الآن مستعدون لهذا الحل في إطار السيادة المغربية، ولكن ينبغي أن نبذل جهودا أولا لإقناع المنتظم الدولي بنجاعة هذا الحل وعلى المنتظم الدولي أن يمارس نوعا من الضغط على هذين الطرفين للقبول بهذا الحل الذي يبقى الأمثل والأفضل لضمان الاستقرار في منطقة المغرب العربي.
٭ أخيرا، ماهو تحليلكم للحالة الاجتماعية والاقتصادية التي عاشها المغرب هذه السنة، وما ميزها من ارتفاعات للأسعار أسفرت عن العديد من التظاهرات والاحتجاجات وميلاد العديد من التنسيقيات المناهضة للغلاء؟
- ما يتميز به المغرب الآن هو أننا أصبحنا أمام خطاب رسمي جد واضح لا يحاول إخفاء الحقائق.
فالوضع الاجتماعي والاقتصادي ليسا على ما يرام، وهذا أعلن عن ذلك صراحة في خطاب 16 ماي 2005 عندما أعلن عن ميلاد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
هناك جهود تبذل لتحسين الأوضاع، لكن أكيد أن الظرفية الدولية لا تساعد المغرب وخاصة بالنظر إلى موجة ارتفاع أسعار البترول بنسبة قياسية، هذا كانت له انعكاسات على الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي في المغرب، ولكن رغم ذلك هناك جهود.
وفي ظل هذه الإكراهات الدولية ارتفعت الأسعار فاليوم يمكن القول إن العالم أصبح قرية صغيرة، والاقتصاد المغربي غير منفصل عن الاقتصاديات الدولية بشكل عام
فما هو أساسي هو هذه الحيوية التي يعيشها المغرب الآن.
هناك تنسيقيات تعلن رفضها للوضع، وهناك أيضا شيئ إيجابي ترتب عن ذلك هو أن الدولة سمحت لها بتنظيم وقفاتها والتعبير عن آرائها.
أما على العموم فالإكراهات الدولية هي التي أثرت على الوضع، وهناك محاولات لتحسين الظروف بالتركيز على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ولكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن نكون متشائمين، فليس الوضع بالسيء إلى درجة تدعونا إلى دق ناقوس الخطر هناك صعوبات ولكن أيضا جهود.