شكلت الزيارة التاريخية التي قام بها جلالة الملك محمد السادس لإقليمي العيون وبوجدور في شهر مارس الماضي، وتعيين المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية بهيكلته الجديدة أهم حدثين شهدتهما الأقاليم الجنوبية للمملكة، خلال السنة التي نودعها، بكل ما اتسمت به من
وتعتبر سنة 2006 بالفعل سنة تكريس الوحدة الوطنية والترابية، وهي حقيقة جسدتها الزيارة الملكية التاريخية التي جاءت لتعبر بوضوح عن الارتباط التاريخي والمستمر والأبدي بين المغرب وأقاليمه الجنوبية، وعن موقف المغرب الثابت بشأن وحدته الترابية.
كما تجسد هذه الحقيقة النتائج التي حققها المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، سواء من خلال اللقاءات التي عقدها رئيسه لشرح ملف قضية الصحراء، أو الدورات التي نظمها المجلس بشأن وضع تصور لمشروع مقترح الحكم الذاتي ودراسة ما يتعلق بالجانب التنموي بالأقاليم الجنوبية، وفقا للمهام الموكولة لهذه الهيئة الاستشارية
وقد أدى كل ذلك، إلى جانب العمل الذي قامت به الدبلوماسية المغربية والوفود الحزبية والبرلمانية والحكومية، إلى تقوية الدعم الدولي لموقف المغرب الثابت بشأن قضيته الوطنية الأولى، وإلى مزيد من الفشل لأطروحات خصوم وحدة المغرب الترابية، واندحار مناوراتهم اليائسة الهادفة إلى الإبقاء على وضعية اللاحل.
وشكل مقترح مشروع الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية الذي طرحه المغرب لإيجاد حل سياسي نهائي للنزاع المفتعل حول مغربية الصحراء، مسيرة جديدة فتحت آفاقا رحبة لناحية تكريس الاستقرار والأمن بالمنطقة بما يتماشى ورغبة المجتمع الدولي في جعل الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط منطقة سلام واستقرار والمساهمة في بناء فضاء مغاربي يسوده الإخاء والتعاون.
وجرت على امتداد هذه السنة، لقاءات ومشاورات مكثفة بشأن هذه المبادرة الشجاعة، قصد الخروج بتصورات عن صيغة مشروع الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية، بما يضمن الحقوق المشروعة للمغرب على صحرائه، وبما يقوي من دينامية السلام التي تسير على خطاها المملكة بإجماع كل مكونات الشعب المغربي.
وفي إطار هذه الروح من الإجماع الوطني، جرت المشاورات التي جرت في هذا السياق ضمن مقاربة شاملة وفلسفة انبنت على إشراك كل الفعاليات في هذا الورش الوحدوي الذي يجسد إرادة المغرب في التوصل إلى حل واقعي وعملي ينهي سنوات طويلة لنزاع مفتعل عطل مسيرة بناء المغرب العربي.
وبغية إعطاء القوة والفاعلية والدينامية لهذه المشاورات جاء تعيين جلالة الملك محمد السادس في شهر مارس الماضي بالعيون للمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، بتركيبته الجديدة، التي شكلت من أعيان القبائل والمنتخبين المشهود لهم بالوطنية الصادقة وحصافة الرأي.
وقد تدارست هذه الهيأة الاستشارية مقترح مشروع الحكم الذاتي من مختلف جوانبه، وخرجت بتصور بشأنه لتجسد من خلال ذلك، الانخراط الفاعل في ترسيخ ثقافة الحوار والتشاور لتعبيد الطريق أمام التوصل إلى إيجاد تسوية عادلة ونهائية، تعود بالنفع على المنطقة بكاملها.
ويزكي هذه الإرادة القائمة على الحوار والتشاور على أوسع نطاق إشراك الأحزاب السياسية في وضع تصوراتها بخصوص هذا المشروع الشجاع الذي يجسد بصدق سعي المغرب الجاد والمسؤول إلى إيجاد حل سياسي نهائي للنزاع المفتعل حول قضية الصحراء، في إطار سيادة المملكة المغربية ووحدتها الوطنية والترابية، ولقطع الطريق أمام مناورات خصوم وحدة المغرب الترابية الذين ظلوا على مدى العقود الثلاثة الماضية يضعون العصا وسط العجلة لتعطيل كل مسيرة وحدوية وتنموية.
ويأتي هذا العمل التشاوري التشاركي تعبيرا عن الرؤية الحصيفة لجلالة الملك، وعن الوفاء لروح المسيرة الخضراء، والالتزام بالنهج الديمقراطي في التعامل مع ملف القضية الوطنية.
وقد أكد جلالة الملك ذلك في خطاب6 نونبر بمناسبة الذكرى الثلاثين للمسيرة الخضراء بقوله "ومن منطلق وفائنا لروح المسيرة التي حققت تحرير الصحراء بالتعبئة الشاملة وسيرا على النهج الديمقراطي بإشراك كل القوى الحية في الدفاع عن مغربيتها فقد قررنا استشارة الأحزاب السياسية لما لها من دور أساسي في القضايا الوطنية، وذلك بشأن منظورها الملموس للحكم الذاتي في نطاق سيادة المملكة في أفق بلورة وتقديم المقترح المغربي بهذا الخصوص".
و"اننا نجدد الدعوة لكل الهيئات والفعاليات الوطنية" ـ يضيف جلالة الملك في الخطاب ذاته ـ "للنهوض بدورها في تعبئة الرأي العام والتأطير الميداني للمواطنين وتوسيع انخراطهم في دعم هذا التوجه الحكيم بكل وعي ومسؤولية تجسيدا للإجماع الوطني حوله وكسب المزيد من الدعم الدولي له".
وتكمن التوجهات الأساسية في سياسة المغرب الداخلية والخارجية لبلورة مقترح الحكم الذاتي في مواصلة تعزيز الصرح الديمقراطي بالجهوية المتقدمة والحرص على وحدة المغرب العربي وتجنيب المنطقة "ما يمكن أن ينجم عن زرع كيان وهمي، من ويلات البلقنة وعدم الاستقرار، وتحويلها إلى مستنقع لعصابات الإرهاب، والتهريب والاتجار في البشر والسلاح".
والتعاون الصادق مع المنتظم الأممي، ومع أمينه العام، وممثله الشخصي، »للإسهام في إيجاد حل سياسي توافقي، تنخرط فيه بجدية، كل الأطراف المعنية فعلا بهذا النزاع« كما جاء في الخطاب السامي لجلالة الملك بمناسبة الذكرى 31 للمسيرة الخضراء المظفرة.
ويذكر أن الإعلان عن مبادرة الحكم الذاتي جاءت في خطاب العرش لسنة 2005 الذي قال فيه جلالة الملك محمد السادس.
"وتأكيدا لتشبث المغرب بالشرعية الدولية، فإننا نجدد الإعراب عن استعداده الدائم للتفاوض الجاد، لايجاد الحل السياسي التوافقي النهائي للنزاع المفتعل حول مغربية صحرائه، والذي يحظى بدعم المنتظم الدولي، بما يخول أقاليمنا الجنوبية حكما ذاتيا في ظل سيادة المملكة ووحدتها الوطنية والترابية".
وقد جدد جلالة الملك في خطابه التاريخي بالعيون، يوم 25 مارس 2006، التأكيد على أن بلادنا ما فتئت "تبدي استعدادها لايجاد حل سياسي يضمن لسكان المنطقة تدبير شؤونهم الجهوية، وذلكم في إطار السيادة الوطنية والترابية غير القابلة للتصرف، كتسوية عادلة للنزاع المفتعل في المنطقة، وكمساهمة في بناء مغرب عربي يعمه التعاون والازدهار، وفضاء جهوي يسوده السلم والاستقرار".
ومن الأكيد أن خيارا كهذا، إنما هو خيار نابع من الإرادة الراسخة في تنمية الأقاليم الجنوبية، بمشاركة أبنائها، في إطار مقاربة ديمقراطية وتشاركية تجد مرجعيتها في الأوراش الإصلاحية التي باشرها المغرب في مجال التحديث والدمقرطة والتنمية المستدامة والمندمجة.
كما أن هذا الخيار الذي لقي مساندة قوية من قبل المجتمع الدولي، يعبر عن القناعة الراسخة بإرادة السلام التي انخرط فيها المغرب منذ أن قام بتنظيم المسيرة الخضراء السلمية التي استرجع بفضلها أقاليمه الصحراوية، سلاحه الوحيد في ذلك الإجماع الوطني والإيمان بعدالة القضية الوطنية.
وتتواصل هذه الإرادة بالعزم نفسه والثبات، من خلال تعدد الأوراش التنموية المندرجة في سياق التحديث والتنمية بالمنطقة، ومن خلال ما شهدته من منجزات، وما جاءت به الزيارة الملكية التاريخية للعيون وبوجدور من مشاريع مهمة، تعطي دينامية جديدة لتنمية هذه الربوع من المملكة، التي خصصت لها أيضا وكالة الإنعاش والتنمية والاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية للمملكة 7 ملايير و200 مليون درهم في إطار برنامجها التنموي 2004 - 2008 .
وقد كانت سنة 2006 أيضا سنة المواعيد والتظاهرات الثقافية والفنية والرياضية بالأقاليم الجنوبية، وسنة لتفعيل أوراش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بهذه المنطقة، التي شهدت على امتداد الاثني عشر شهرا الماضية العديد من اللقاءات والزيارات الميدانية للعديد من الوفود الأجنبية، التي وقفت في عين المكان على حقيقة الوضع، واطلعت على مظاهر التنمية التي تحققت بها في مسيرة متواصلة الحلقات تزاوج بين إرادتي الوحدة والتنمية.
(و م ع)