المصير حسم ومخطط بيكر لم يعد مرجعية بل مجرد ذكرى غابرة

الصحراء:الدهان يتآكل والأطروحة الجزائرية توجد على منزلق حاد

الثلاثاء 19 دجنبر 2006 - 20:00
العيون حاضرة الأقاليم الجنوبية المغربية (ت:كرتوش)

كما هي العادة، وكما كان ذلك منتظرا، عقب كل تصويت بالأمم المتحدة حول الصحراء، عادت الجزائر لتعزف نفس النغمات على كمانها، متهكمة بالتالي على جارها المغرب، وهي تتوهم منذ أكثر من 30 سنة، إحراز انتصارات ديبلوماسية لم يعد الجزائريون أنفسهم يصدقونها، لاسيما وأن

ولنعد إلى الاحتكام إلى الأرقام، والأرقام كما يقال، عنيدة.

حينما أدارت 122 دولة عضو بالأمم المتحدة من أصل 192 ظهرها، على رؤوس الأشهاد، لمشروع القرار الجزائري، فإن ذلك يعتبر في الجزائر "انتصارا" بارزا.

وحينما يمتنع91 بلدا عن التصويت على النص الجزائري مقابل 72 فقط، قبل شهرين تقريبا، فإن ذلك يسمى في لغة الجزائر "صفعة للمغرب".

ومرة أخرى، فإن وكالة الأنباء الجزائرية العجيبة (واج) هي التي كانت رائدة هذا الاكتشاف الرائع .

وهكذا، تتراكم "انتصارات" الجزائر وتتكدس"الإنجازات"، وتتلاحق "النجاحات".

في الواقع، فإن دهان المنتوج الجزائري قد بدأ يتآكل منذ زمن طويل، غير أن المسؤولين الجزائيين يتظاهرون بأنهم لا يرون شيئا.

وأولئك الذين اخترعوا بكد الأرقام كوسيلة للحساب والقياس والتوفر على رؤية عقلانية، يتعين عليهم حسب المنطق الجزائري، مراجعة حساباتهم.

وبالفعل، فإن كل شيء يجري وكأن الجزائر، التي تقوقعت في هذه الدائرة من الارتياح الذاتي، تبحث لنفسها عن ملجإ في مواجهة هذا الجهاز التوافقي الرائع الذي وضعه المجتمع الدولي بشأن حل سياسي مقبول من لدن الأطراف بخصوص قضية الصحراء المغربية.

هذا ما يستخلص من النص، إذا كانت الكلمات ما تزال تحتفظ بمعانيها، من النقطة الرابعة من القرار الذي جرى تبنيه يوم الخميس من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة.

بلاهة هذا الخطاب الجزائري، التي اعتدنا عليها، واجهتنا مرة أخرى من طرف من ينطق باسم وزارة الشؤون الخارجية الجزائري, لحظات بعد تبني مشروع القرار.

وهو يتهم المغرب، لا أقل ولا أكثر، بـ "المناورة التسويفية ومحاولة إرباك مسلسل السلام بالصحراء".

حينما يعتاد المرء على إطلاق الشتائم، فإنه يغرق في مرض الثرثرة والتطرف في الكلام.

وفضلا عن ذلك، فإن لهذا المتحدث المجهول، قراءة غريبة للخريطة السياسية العالمية وتصورا مثيرا للعجب للأمور ذات الدلالة وما هو ليس كذلك.

ويؤكد هذا المتحدث، وهو حتما لا يتوفر على مثقال من الحياء والرشد، أن القرار "حصل على دعم أغلبية ذات دلالة سياسية من الدول .."

ولم يكن لأحد في محيطه، وبسبب التسرع الأعمى، رد فعل للتصحيح، وتذكير هذا ناطق بأن القرار الجزائري لم ينل، على سبيل المثال فقط، تصويت أي بلد عربي.

ولم تصوت عليه كذلك الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والصين والهند وكندا واليابان واستراليا والبرازيل وغيرها .

وفي نظر الجزائر، فإن هذه البلدان لا تتوفر على ثقل سياسي على الساحة الدولية .

وبالاستماع إلى هذا المتحدث، فإن الأمر يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان غير ناضج إلى هذا الحد، أم أنه مجبر من طرف رؤسائه على تقديم تصريح حول قضية لا تعني له الشيء الكثير .

وفي الحالتين، فهو، على غرار ديبلوماسية بلاده، يبذل عبثا مجهودا لا طائل من ورائه، لأن المصير قد حسم في هذه القضية، ومخطط بيكر لم يعد مرجعية أبدا، بل مجرد ذكرى غابرة، على غرار مخطط التسوية، الذي تبدد منذ زمن.

وسيستوعب المسؤولون الجزائريون ذلك بسهولة، في اليوم الذي سيكونون فيه أقل انفعالا في خطاباتهم، وأكثر واقعية في أفعالهم، وأقل مغالاة في أقوالهم، وأكثر وضوحا في مساعيهم.

سيدركون ذلك بالتأكيد، عندما يتبين لهم أن ديبلوماسيتهم تشكل مضيعة للوقت والجهد، ولافائدة ترجى منها، وأن حسن الجوار يحرم هذه الممارسة غير السليمة التي تقوم على زرع بذور الحقد بالفضاء المغاربي في كل مرة.

في هذا النزاع المغربي الجزائري الصرف، يتيعن على الجزائر أن تعي بأن التقسيم الترابي الذي تطمح إليه لايمكنه أن يحدث، بأي حال من الأحوال، وأن فكرة الحكم الذاتي الموسع التي وضعها المغرب والتي تلقى تأييد عدد كبير من البلدان الوازنة، تندرج في إطار ضمان المكسب للجميع، وفي أفق ضرورة »العيش سوية«، وهو ما ينبغي العمل، منذ الآن، على بنائه حتى لا ندمر مستقبل الأجيال المقبلة إن عجلة التاريخ لا يمكنها أن تدور إلا نحو الأمام.

(و م ع)




تابعونا على فيسبوك