دشن قانون 1997 الذي يُعتبر بمثابة الإطار القانوني للتجربة الجهوية الجديدة بالمغرب، البداية الفعلية لمسار التفكير الجدي في نظام الجهة.
وحدد القانون للجهة هدفين أساسيين : تثبيت الديموقراطية المحلية، وجعل الجهة محركا لتقليص الفوارق بين المناطق والجهات.
وصاحب توجه المغرب نحو تبني خيار نظام الحكم الذاتي الموسع في الأقاليم الجنوبية، طرح مسألة الجهوية، وسبل تطبيقها كنموذج للتسيير الإداري والسياسي المحليين في المغرب.
وتداول الخبراء والباحثون بعض النماذج التي بإمكان المغرب أن يستفيد منها في إطار تطبيقه للنظام الجهوي في أقاليمه الجنوبية.
وطُرحت، في هذا السياق التجربتان الإسبانية والإيطالية .
بالنسبة إلى إسبانيا، تضمن المادة الثانية من الدستور الإسباني لسنة 1978 الحق في الاستقلالية بالنسبة إلى الأقليات والجهات.
ويستعمل النظام الإسباني آليتين لإدارة دفة الحكم.
فمن جهة، تعتمد الدولة على آليات اللامركزية التي تتبناها الدول الفيدرالية، ومن جهة أخرى، هناك آليات الجهوية، إن دستور سنة 1978 منح لإسبانيا صفة دولة المجموعات المستقلة بتقليصه من نظام المركزية الشديدة بإحداث 17 مركزا جديدا للسلطة والإدارة والتسيير .
وراعى الدستور وحدة الدولة من جهة، والفروقات القومية وضرورة منح الأقليات بعضا من الاستقلال الذاتي.
واعتبر الدستور الإسباني قيام المجموعات المستقلة بإسبانيا حقا دستوريا، إذ يضمن الحق في الاستقلال الذاتي بالنسبة إلى القوميات والجهات، لكن في الوقت نفسه يؤكد وحدة الدولة الإسبانية التي لا تقبل التجزئة .
ولا يحدد الدستور مسبقا هوية المجموعات المستقلة ولا عددها، وتشكلت 17 مجموعة مستقلة بطرق مختلفة، إلى حدود سنة 1983، وتُعتبر أربع من هذه المجموعات المستقلة مجموعات تاريخية تمتلك لغة وتقاليد ثقافية خاصة بها، ويتعلق الأمر بكاتالونيا، وإقليم الباسك، وغاليسيا والأندلس.
وتتوفر المجموعات المستقلة على اختصاصات تشريعية وتنفيذية، وأناط الدستور الإسباني المجموعات المستقلة بمجالس محلية تتولى مباشرة الاختصاصات المخولة إليها.
وتتوفر المجموعات المستقلة بإسبانيا، وفقا لمقتضيات الدستور، على برلمان جهوي يُنتخب وفق نمط الاقتراع النسبي المباشر، ومجلس حكومي يمتلك سلطة تنفيذية ورئيسا يُنتخب من طرف البرلمان ويُعين من طرف الملك، ويترأس الرئيس المجلس الحكومي، كما يضمن تمثيلية الجهة المستقلة في الخارج.
وتتوفر المجموعات المستقلة على مجلس أعلى للقضاء الجهوي.
وتصنف إسبانيا بصفتها دولة المجموعات المستقلة، وتقع في منتصف الطريق بين نظام الجهات المطبق في إيطاليا والنظام الفيدرالي الألماني
وبالنسبة إلى إيطاليا، صادق البرلمان الإيطالي سنة 1968على مشروع قانون ينص على إحداث الجهات الإيطالية .
واعتبر هذا القانون بمثابة شهادة ميلاد رسمية للجهات الإيطالية.
ودخلت بنود الدستور المرتبطة بالجهات حيز التنفيذ عقب انتخابات المجالس الجهوية في سنة 1970، وهو ما شكل نقطة تحول في تاريخ التنظيم الإداري بإيطاليا، إذ انتقل البلد من نظام ممركز إلى تنظيم جهوي لا مركزي.
وتعزز هذا الخيار بإصدار قانون جديد سنة 1975 خول للجهة مكانة أولية بين المؤسسات الدستورية المكونة للدولة الإيطالية.
وأقر الدستور للجهات والمناطق سلطة التنظيم في ظل المبادئ المنسجمة مع المقتضيات الدستورية وقوانين الجمهورية، كما منحها الاستقلال المالي والإداري وسلطة التدخل واتخاذ القرار في ميادين خاصة .
وتتوفر إيطاليا على 20 جهة، منها 15 جهة لها وضع عاد، وخمس جهات تتمتع بوضع خاص
وبادرت الجهات منذ نشأتها إلى إعداد قوانينها مع مراعاة المبادئ المشتركة للتنظيم الواردة في الدستور.
وتتمتع الجهات في إيطاليا باختصاصات واسعة تشمل جزءا من الوظيفة التشريعية والتنظيمية وسلطة إدارية أساسية، إضافة إلى سلطتها في وضع نظامها الأساسي
وترتكز إيطاليا، حاليا، دستوريا، من حيث التنظيم المحلي على ثلاثة مستويات : الجهات، والأقاليم والجماعات.
وجاء الدستور الإيطالي لسنة 1948 موفقا بين اتجاه يدعو إلى استقلال ذاتي واسع والآخر يطالب باستقلال ذاتي ضيق، وعلى هذا الأساس جاءت المادة الخامسة من الدستور لتعلن مبدأ وحدة الجمهورية وعدم تجزئتها من جهة، وتشجيعها للإستقلال الذاتي واللامركزي من جهة ثانية، وأرسى الدستور قواعد الدولة التنظيمية على نوعين من الوحدات، وحدات تتمتع باللامركزية الإدارية، ووحدات تتمتع بالحكم الذاتي.
الوحدات الأولى لا تثير أي إشكال قانوني، فهي وحدات إدارية لا مركزية ضمن تنظيم إداري لا مركزي تقليدي، أما الثانية فلم يمنحها الدستور أي وصف قانوني، وهي ليست أكثر من وحدات محلية تتمتع بنوع من الحكم الذاتي حسب نص الدستور.
ورغم أن إحداث الجهات التي لها وضع خاص جاء بفعل التطلعات نحو الانفصال في المناطق المعنية، إلا أن الجهوية في إيطاليا ترتكز، بصفة أقل على الاعتبارات الإثنية والثقافية والاقتصادية، وبصفة أكثر على اعتبارات سياسية وإدارية.
وتتمتع المناطق الإيطالية فعلا وقانونا بحكم ذاتي.
والمبدأ الذي يقوم عليه تنظيم الدولة الإيطالية هو مبدأ اللامركزية الموسعة والحكم الذاتي للمناطق الإيطالية ضمن سيادة الدولة.
ويعود ظهور نظام المناطق في إيطاليا إلى أسباب طارئة تتعلق بالأحداث التي حصلت بعد الحرب العالمية الثانية المرتبطة خاصة بمطالبة صقلية بالانفصال بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، وباعتبارات جغرافية من حيث أن إيطاليا تمتد من جبال الألب إلى الشاطئ الإفريقي بما يعنيه ذلك من اختلافات في المناخ والعادات واللغة.
وهناك أسباب أخرى تتجلى في الفوارق في الظروف الاجتماعية والاقتصادية بين مناطق الشمال الغنية ومناطق الجنوب الغارقة في الفقر والبؤس، فكان اعتماد نظام الجهة نوعا من الحل السياسي لفرض التوازن بين الشمال والجنوب.