ساهمت مستجدات القضية الوطنية الأولى في الرفع من وتيرة التفكير الجدي والجاد في تثبيت النظام الجهوي بالمغرب، وذلك صوب اتجاه منفتح على التعدد الثقافي واللغوي، وبشكل يوفق بين فرض السيادة الوطنية على كافة التراب المغربي، من جهة.
ومنح سكان الأقاليم الجنوبية الحق في ممارسة اختصاصات موسعة في مجال تدبير شؤونهم من خلال مؤسسات جهوية ومحلية، من جهة أخرى .
ويعكس خيار المغرب القاضي بمنح أقاليمه الجنوبية حكما ذاتيا موسعا في ظل السيادة المغربية، حرص المغرب على تكريس مبدأ الديمقراطية المحلية الذي بدأ في تبنيه منذ فترة .
وإذا كان المغرب عبر عن تبنيه لنظام الجهة منذ سنة 1971 من خلال ظهير16 يونيو، فإن تشبثه بهذا الخيار برز بصفة ملحاحة مع ظهور النزاع المفتعل في الصحراء المغربية ، حيث بدأ خيار الجهوية يتحول من مجرد شعار سياسي ، إلى اختيار مبدئي.
ولاشك أن الصعوبات التي واكبت تطبيق الجهوية جعلت مبادرة تفعيل هذا النظام تسير بخطى متثاقلة لأزيد من ثلاثة عقود.
ويمكن إيجاز هذه الصعوبات في : محدودية هوامش التصرف المخولة للمجالس الجهوية، وإكراهات التقطيع الترابي الذي يحد من نجاعة عمل الجهات، وضعف الاعتمادات المرصودة للجهات، عدم تفعيل اختصاصات المجلس الجهوي، مما أدى إلى اقتصار عمله على عقد اجتماعات وصياغة التوصيات دون التنفيذ، وصعوبات في تنفيذ الميزانيات الجهوية، وغياب برامج جهوية في ميدان تطوير الشأن العام المحلي.
وبالموازاة مع طرح موضوع الجهوية بالمغرب، ظهرت، مجددا، الدعوات التي تنادي بسن إصلاحات دستورية، وبمراجعة اختصاصات الغرفة الثانية بالشكل الذي يمنح لها تمثيلية أكثر للجهات، وتُعتبر الجهة من بين العناصر الجديدة والأساسية التي تضمنها دستور 1992
ودعم دستور 1996 الركائز الأساسية للجهة.
وجرى الارتقاء بالجهة منذ 1992 إلى مستوى الجماعة المحلية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري.
وتعتبر الجهة أعلى مرتبة في مستويات اللامركزية الترابية، إذ تتوفر على اختصاصات تشريعية وتنظيمية محددة دستوريا .
وتُعتبر الجهوية أساس تدعيم التنمية المحلية من خلال المشاريع التنموية الاجتماعية والاقتصادية، وتمنح المواطنين إمكانية تدبير شؤونهم المحلية في إطار استقلال ذاتي إداري.
وتتجلى رؤية المغرب في تكريس وحدته الترابية في تطوير مشروعه الديمقراطي المرتكز على النظام الجهوي، ويسعى المغرب جاهدا إلى تفعيل هذا النظام على أرض الواقع من خلال منح سكان الأقاليم الجنوبية أجهزة تمثيلية ذات اختاصاصات فعلية وإمكانات مالية تسمح لها بالتدبير المحلي الفعلي انطلاقا من خصوصياتها.
لقد أظهرت التجربة الجهوية الأولى للمغرب محدوديتها المتجلية خاصة في غلبة طابع التخطيط الممركز، وسيطرة البعد المحلي على البعد الجهوي مما جعلها عاجزة عن مواكبة التطلعات الهادفة إلى تقليص الفوارق بين الجهات.
ويعتبر التعديل الذي جاء به الدستور سنة 1992 خطوة متقدمة في مسار ترسيخ الجهوية في المغرب . ويتعين العمل، حاضرا ومستقبلا، على تدعيم التجربة الجهوية بهدف تعزيز مكتسبات الديمقراطية المحلية، واللامركزية، وتعزيز شروط الارتقاء بالجهات على مختلف الأصعدة الإقتصادية والاجتماعية والثقافية.