ظلت الحلول المقترحة من قبل الأمم المتحدة للقضية الوطنية، تتراوح بين مؤيد ومعارض، فمن مخطط التسوية إلى الاستفتاء إلى اتفاق الإطار، ثم جاء المقترح الأخير الذي أعلن عنه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبلوره مؤخرا المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية وال
كان من المفترض أن يشكل استرجاع الصحراء المغربية مرحلة طبيعية من مسلسل تصفية الاستعمار ولكن دافع الهيمنة لدى بعض الدول المجاورة جعل من هذه القضية خلافا إقليميا يرهن منذ عدة سنوات استقرار وتنمية المنطقة، وبالرغم من التزام المغرب بإيجاد حل سلمي ونهائي يتماشى مع الشرعية الدولية، لهذا النزاع الذي يجمع الشعب المغربي على اعتباره مسألة استكمال لوحدته الترابية فإن قضية الصحراء لم تجد حلا عادلا ووفيا للحقيقة التاريخية وتطلعات شعوب المنطقة.
ففي عام 1991 طرحت الأمم المتحدة مخطط التسوية الذي قوبل بالعديد من العراقيل التي وضعها بشكل منتظم "البوليساريو"لتزوير عملية تحديد الهوية، مما دفع الأمم المتحدة إلى اعتبار أنه من المستحيل تنفيذ أي بند من البنود الرئيسية لهذه الخطة تنفيذا كاملا باستثناء مراقبة وقف إطلاق النار جراء الخلافات الأساسية بين الطرفين بشأن تفسير بنودها الرئيسية.
واستهلكت هذه الخطة جهود العديد من الأمناء العامين للأمم المتحدة من بيريز دي كويلار إلى بطرس غالي إلى كوفي عنان.
وعندما أعيد انتخاب هذا الأخير للمرة الثانية على رأس الأمم المتحدة، كان قد كون قناعة كاملة باستحالة تطبيق الخطة التي وضعها أسلافه، لكنه كان ينتظر أن تتكون القناعة نفسها عند الأطراف المعنية للبدء في البحث من جديد عن مخرج من عنق الزجاجة.
في عام 1997 قام كوفي عنان بتعيين مبعوث شخصي جديد له مكلف بالقضية من عيار ثقيل، ولم يكن المبعوث الجديد سوى جيمس بيكر وزير خارجية أميركا السابق القادم لتوه من الانتصار الذي حققته بلاده في حرب الخليج الثانية.
كان تفويض عنان لممثله الشخصي واضحا لدى الأطراف المعنية، للبحث في إمكانية تطبيق مخطط التسوية المتعثر، أو البحث عن مخرج آخر للقضية، في البداية نجح بيكر في ان يقتاد أطراف النزاع للجلوس حول المائدة نفسها، فعقد عدة لقاءات مباشرة بينهم في لندن، وفي لشبونة العاصمة البرتغالية، قبل ان يحقق أولى انتصار له عندما وافق اطراف النزاع على معايير محددة لتسجيل المؤهلين للمشاركة في استفتاء تقرير المصير، حمل ذلك الاتفاق اسم هيوستن المدينة الأميركية التي وقع فيها، لكن سرعان ما اتضح للمغاربة ان هذا الاتفاق يسير ضد مصالحهم، لأنه يعطي للأشخاص المطعون في ترشيحهم الحرية لتقديم طعونهم بأنفسهم، وهو ما اعتبره المغرب خطأ استراتيجياً لأن أكبر كتلة ناخبة تم الطعن في أهليتها للمشاركة في الاستفتاء هي تلك التي تقدم بها المغرب وبلغ عدد أفرادها 130 ألف شخص.
فبدأت من جديد العراقيل تطفو على السطح امام بعثة الأمم المتحدة المكلفة بتنظيم الاستفتاء والمعروفة اختصارا باسم "مينورسو".
وعندما اتضح لها استحالة اتفاق الأطراف المعنية على معايير محددة جديدة للبت في الطعون المقدمة من قبلهم، بادرت البعثة إلى نشر اللوائح الاولية للمسجلين في قوائم الاستفتاء، وبلغ عدد الأشخاص المقبولين للمشاركة في الاستفتاء 86 ألف شخص من بينهم 48 ألفاً في الجانب المغربي و34 الفاً عن جبهة »البوليساريو«، وأربعة آلاف يعيشون داخل التراب الموريتاني، ورغم ان الكفة كانت راجحة بالنسبة إلى المغرب إلا ان هذا الأخير رفض ان تقرر هذه الأقلية في مصير الأغلبية التي كانت تنتظر في البت في الطعون التي وجهتها في هذه الأثناء بدأ بيكر جولة ثانية من رحلاته المكوكية إلى المنطقة.
وفي شتنبر 1999 جاءت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين اولبرايت بالقوة نفسها لاقناع الرباط بفكرة الحل السياسي، وكان رد السلطات المغربية آنذاك أنها محتاجة إلى بعض الوقت لاستشارة الأحزاب السياسية التي رحبت بفكرة حل سياسي في إطار الجهوية فأعطى المغرب الضوء الأخضر لطرح اتفاق الإطار الذي تقدم به بيكر لدى اجتماعه مع أطراف النزاع في العام نفسه في برلين بألمانيا، وينص ذلك الاتفاق، في نسخة أصلية، على ما اسماه "تفويض الصلاحيات لسكان المنطقة"، ولم ترد فيه عبارة "حكم ذاتي"التي تداولتها وسائل الإعلام بعد ذلك.
فكان المغرب اول من اعلن عن ترحيبه بهذا الاتفاق.
لكنه طلب المزيد من المفاوضات حول قضايا جوهرية تتعلق بالأمن والقضاء والاقتصاد
اما الجزائر وجبهة البوليساريو فأعلنتا رفضهما التام لكل ما جاء في هذا المقترح، (وحملت الدبلوماسية الجزائرية بقوة وعنف على المقترح وصاحبه)، وفي نوفمبر 2001 جاءت بمقترح مضاد له يتبنى فكرة تقسيم الإقليم المتنازع عليه بين المغرب وجبهة "بوليساريو".
وجد جيمس بيكر نفسه أمام ثلاثة اقتراحات، اقتراحه واقتراح الجزائر ومخطط التسوية الذي وضعته الأمم المتحدة، فتم تكليفه من قبل مجلس الأمن، في يونيو 2002، للتفكير في حل بديل.
وخلال ستة اشهر اختفى بيكر عن الأنظار حتى جاء بمقترحه الجديد الذي لم يناقشه مع اي أحد على عكس ما كان يقوم به في السابق، وجاء إلى المنطقة في يناير 2003 حاملا معه اقتراحه المكتوب، وطلب الرد عليه خلال شهرين.
وتمحور مقترح بيكر الأخير حول فكرة اقامة حكم ذاتي محلي خلال فترة انتقالية تدوم أربع سنوات ينظم على اثرها استفتاء لتقرير المصير.
وخلال مرحلة الانتقال الذاتي تشرف على تسيير الإقليم سلطة محلية صحراوية منتخبة من قبل الأشخاص غير المطعون في أهلية مشاركتهم في استفتاء تقرير المصير، حسب اللوائح الأولية التي حددتها بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، وفوض هذا المقترح للسلطة المحلية قضايا أساسية مثل الأمن الداخلي والقضاء والإدارة والشرطة والاقتصاد.
وفي فبراير أعلن المغرب رفضه لهذا المقترح، وبنى موقفه على ضرورة تفويت السلطة على أساس غير ديمقراطي باعتبار ان الأشخاص الذين سينتخبون السلطة المحلية يمثلون أقلية من سكان الإقليم، كما اعتبر المغرب ان المقترح يمنح لجبهة "بوليساريو" فرصة مثالية للقيام بحملة انتخابية لمدة أربع سنوات على الأرض نفسها التي طرد منها مقاتلوها بقوة السلاح.
كما رأى المغرب في المخطط بوادر حرب أهلية في الإقليم بين ركيبات الشرق الذين يقطنون الجزائر ويشكلون عصب قوة "بوليساريو"والقبائل الصحراوية الأخرى المقيمة بالإقليم والتي لاتخفي موالاتها للمغرب.
كما أبدى المغرب مخاوفه من ردة الفعل لدى الصحراويين داخل صفوف القوات المسلحة الملكية المغربية الذين حملوا السلاح من أجل تحرير الإقليم من الاستعمار الإسباني عام 1976، وحاربوا من اجل دحض هجمات"بوليساريو" في نهاية السبعينات وطيلة عقد الثمانينات.
من جهة أخرى اعتبر المغرب ان هذا المقترح لايحمل اي جديد في طياته عندما ينادي بالعودة إلى الاستفتاء الذي فشلت الأمم المتحدة في تطبيقه منذ عام 1991، فكيف سيتسنى لها ذلك بعد مرحلة حكم ذاتي حافلة بالمخاطر تدوم أربع سنوات وقد تستغرق مدى الدهر.
وأخيرا أبدى المغرب تساؤله حول طبيعة الأسئلة التي ستوجه إلى الناخبين عند الاستفتاء، والتي تخيرهم ما بين الاستقلال التام أو الانضمام إلى المغرب أو القبول بحكم ذاتي تحت السيادة المغربية، وناهيك عن تداخل وتقاطع هذه الأسئلة حسب وجهة نظر المغرب فإن نتائج الإجابة عنها قد لا تؤدي إلى حسم نهائي بأغلبية واضحة لمصير القضية.
لذلك وبناء على كل النقط المثارة أعلاه أعلن المغرب رفضه المطلق للمقترح سواء من حيث هيكلته أو مبادؤه، وبالمقابل أعلنت الجزائر وجبهة "بوليساريو"قبولهما للمقترح
أما صاحب المقترح جيمس بيكر فظل متمسكا به واعتبره الحل المثالي للقضية، إلى أن فوجئ الجميع بتقرير الأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن في يونيو 2003 الذي اعتبر أن مقترح بيكر الأخير هو الصالح لإنهاء هذه القضية، وبدأت المشاورات داخل مجلس الأمن لتبني هذا المقترح، وفرض تطبيقه على جميع الأطراف في حالة المصادقة عليه بالإجماع.
في البداية أبدت اميركا دعمها للمقترح، وسعت إسبانيا باعتبارها رئيسة مجلس الأمن إلى حشد الدعم له وراء الكواليس بين أعضاء المجلس.
ووجد المغرب نفسه في موقف لايحسد عليه، وبدأت الآلة الدبلوماسية المغربية تتحرك بهدوء لاحتواء المواقف داخل مجلس الأمن قبل التصويت على المقترح فجرت عدة اتصالات قادها جلالة الملك مع رؤساء الدول الدائمة العضوية داخل المجلس، وكلف الدبلوماسية بمهام الاتصالات والاستشارات والتحركات التي اتت اخيرا اكلها.
وجاء تصويت مجلس الأمن نهاية شهر يوليوز2003 بصيغة توافقية، فهو يوصي بدعم خطة بيكر لكن على اساس الاتفاق المسبق بين الأطراف المعنية، وفي فقرة أخرى من القرار نفسه دعا الأطراف إلى أن تتفاوض مع الأمم المتحدة وفي ما بينها للوصول الى الموافقة على الخطة وبعد ذلك المرور الى تنفيذ بنودها.
كما نص القرار صراحة على انه لا يمكن فرض أي حل على الاطراف بدون موافقتها المبدئية عليه.
هذا القرار اعتبره المغرب انتصارا في معركته الطويلة من أجل إثبات السيادة المغربية على الإقليم المتنازع عليه.
فهو أولا لم يفرض أي حل على أطراف النزاع ، وهذا المبدأ ينطبق على مخطط بيكر الذي أعلن المغرب عن رفضه، كما لم يشر إلى مخطط التسوية القديم الذي وضعته الأمم المتحدة عام 1991، القائم على استفتاء تقرير المصير، فما كان من بيكر إلا أن إستقال.
اليوم يوجد على طاولة الحل مقترح جديد هو المقترح المغربي لمنح سكان الصحراء حكما ذاتيا موسعا تحت السيادة المغربية، وهو المقترح الذي تمت بلورته أخيرا وسيرفع إلى مجلس الأمن نهاية أبريل المقبل، وبذلك يعيد الكرة إلى معسكر الخصوم.