حصيلة ثلاثين سنة من العمل الجماعي وآفاق الجماعات المحلية وانتظاراتها التنموية

الثلاثاء 12 دجنبر 2006 - 12:33

بعد 30 سنة من اختيار المغرب السياسة المحلية كحجر زاوية في البناء الديمقراطي أعتقد أنه من الضروري القيام بمقاربة وتقييم موضوعين وجريئين لهذه التجربة، خصوصا في ظل المستجدات المتسارعة التي تعرفها التنمية المحلية في ظل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

اقتناعا بكون الجماعات المحلية هي أولا البنية الأولى والأساسية في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة، وثانيا هي أساس دولة المؤسسات والنظم اللامركزية القائمة على الإشراك والمشاركة لكل المواطنين لتدبير شؤونهم المحلية عبر المؤسسات المحلية المنتخبة ديمقراطيا، وهي ثالثا رافعة التنمية المحلية، وهي رابعا أداة لتحصين الانتقال الديمقراطي، الذي كرس السياسة المحلية كمكون للسياسة العامة، وهي خامسا المدرسة الأولى للتنشئة السياسية للمواطن ناخبا ومنتخبا، وهي سادسا مجالا للتمرس السياسي الديمقراطي، وهي سابعا الوسيلة الأساسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، لكون الجماعات المحلية هي الأداة الأفضل لتنفيذ القرار التنموي على الصعيد المحلي.

والأكيد أن فلسفة السياسة المحلية ستتخذ أبعادا أخرى مع اختيار المغرب الحكم الذاتي كآلية ديمقراطية تسمح للمواطنين بتدبير شؤونهم المحلية على أسس ديمقراطية
وبعد مرور 30 سنة على الميثاق الجماعي المؤرخ في 30 سبتمبر 1976، ومرور 30 سنة على هذه التجربة، فإننا نتساءل هل استطاعت الجماعات المحلية المساهمة في ترسيخ الديمقراطية المحلية والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية كما حدد لها؟ ما هي حصيلة هذه التجربة؟ وما هي آفاقها؟

حصيلة 30 سنة من تجربة الجماعات المحلية

من نافلة القول التأكيد هنا أن الجماعة المحلية أضحت في الدولة الحديثة المجال الأوسع لتحقيق المشاركة الشعبية في تدبير وتسيير الشأن العام وتحسين وتطوير المرافق العمومية وتوفير كل الشروط الذاتية والموضوعية للتنمية الشاملة.

وأول خلاصة نستنتجها من خلال 30 سنة من تجربة الجماعات المحلية هو "الفشل النسبي"في عدم تحول الجماعات المحلية إلى فضاءات حقيقية للتدبير الشفاف والمؤسساتي والديمقراطي للشأن المحلي رغم كل المجهودات المبذولة من جهة، ولم تتوفق في أن تكون في مستوى تطلعات المواطن العادي من جهة أخرى، رغم وجود الترسانة القانونية، خصوصا القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.297 بتاريخ 3 أكتوبر 2002 .

ويتبين من أول تقييم موضوعي من تجربة العمل الجماعي المحلي بالمغرب أنه لا يزال متعثرا بسبب عدد من العوائق السياسية والاجتماعية والثقافية والقانونية والإدارية وفي مقدمتها :

- ثقل الوصاية الإدارية والمالية.

- ضعف الموارد المالية.

- عدم الاستثمار في الموارد البشرية المؤهلة.

- ضعف وعي المسؤولين بأهمية الجماعة المحلية ودورها الحاسم في التسيير والتخطيط والانتعاش والتنمية والإنجاز .

- ضعف آليات التواصل والتعبئة وإقناع المواطن ليشارك في التنمية الجماعية المحلية.

- غياب المعايير الموضوعية من طرف الأحزاب في ترشيح أشخاص مؤهلين.

- الاستمرار في تدبير المال العام وسوء التسيير.

- غياب ثقافة المبادرة عند المسؤولين الجماعيين.

- ضعف آليات المراقبة .

- استمرار الأحزاب السياسية وأحيانا الدولة.

-استغلال الواقع المزري للجماعات لأغراض سياسوية.

- إعطاء مسؤولية التدبير لمسؤولين غير مؤهلين .

- بيروقراطية المساطر القانونية .

- غياب التدبير الشفاف.

مراجعة جذرية لكيفية تأهيل العمل الجماعي وللاستدلال على هذه الخلاصات، نقتطف بعض الفقرات من الخطاب الملكي حول المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إذ قال جلالة الملك :

"وسيرا على هذا النهج، وبعد إمعان النظر في ما استخلصته من وقوفي الميداني الموصول على أحوالك، في مختلف جهات المملكة، فقد قررت أن أخاطبك اليوم بشأن قضية تهم المغاربة جميعا في العمق.قضية تسائل كل المؤسسات، والفاعلين السياسيين والنقابيين، والاقتصاديين، والهيئات الجمعوية بل إنها تشكل الهاجس الملح لكافة الأسر والمواطنين إن الأمر يتعلق بالمعضلة الاجتماعية، التي نعتبرها بمثابة التحدي الأكبر، لتحقيق مشروعنا المجتمعي التنموي".

وأضاف جلالته : "تستند على المعطيات الموضوعية للإشكالية الاجتماعية في المغرب
تلكم المعطيات التي تتجلى في كون فئات ومناطق عريضة تعيش ظروفا صعبة، بل وتعاني من حالات فقر وتهميش، تتنافى مع ما نريده من كرامة موفورة لمواطنينا
فالعديد من الأحياء الحضرية الصفيحية أو المحيطة بالمدن، وكذا الكثير من الجماعات، التي يوجد معظمها بالوسط القروي، تفتقر إلى أبسط المرافق والخدمات والتجهيزات الاجتماعية الضرورية وتعتبر مرتعاً خصبا لاستفحال معضلات الأمية والبطالة والإقصاء، أو الانقطاع عن التمدرس، وضعف فرص الشغل، والأنشطة المدرة للدخل".

وتابع جلالته : "وهكذا ستستهدف هذه المبادرة، في المرحلة الأولى لانطلاقها، التأهيل الاجتماعي، لـ 360 من الجماعات الأشد خصاصة في العالم القروي، و250 من الأحياء الحضرية الفقيرة، العتيقة منها والعشوائية والصفيحية المحيطة بالمدن، التي تتجلى فيها المظاهر الصارخة للإقصاء الاجتماعي والبطالة والانحراف والبؤس كما أنها تستهدف التأهيل، بكيفية متدرجة، سواء للطاقة الاستيعابية، أو لنوعية مراكز الاستقبال الموجودة، أو إيجاد أخرى جديدة متخصصة، وقادرة على استيعاب، ومساعدة الأشخاص في وضعية صعبة، كالمعوقين، والأطفال المتخلى عنهم، والمشردين، والنساء المعوزات اللواتي لا سند ولا مأوى لهن، والعجزة والأيتام، الذين لا معيل لهم".

أمام هذا التقييم الموضوعي والجريء لجلالة الملك حول الوضع الاجتماعي لأغلبية الجماعات المحلية، فإن التحديات السياسية والاجتماعية التي تنتظر المغرب تفرض عليه إعادة النظر جذريا في كيفية تأهيل العمل الجماعي لجعل الجماعات المحلية أساس التنمية الشاملة.

هذه التنمية التي من الصعب الوصول إليها دون اتباع الخطوات الآتية:

أ- جعل الجماعة رافعة التنمية الاقتصادية : من أهم الإجراءات التي على الفاعلين السياسيين المحليين الاستثمار فيها هي جعل الجماعة المحلية رافعة للتنمية الاقتصادية عبر تحويل الجماعات المحلية إلى أوراش اقتصادية واستثمارية فعلية
وفي هذا السياق، نشير إلى أننا لا ننتظر من الجماعة المحلية أن تتحول إلى مصدر استثماري رئيسي، بل إلى مؤسسات توفر كل الشروط الموضوعية للاستثمار وجلب رؤوس الأموال وتشجيع جلب المقاولات، وذلك من خلال اتخاذ عدة إجراءات منها تأمين الخدمات الإدارية بعيدا عن الزبونية والضغوطات، وتوفير الحد الأدنى من التجهيزات والبنيات الأساسية وربطها بالمواصلات والاتصالات والماء والكهرباء والطرق لخلق المناطق الصناعية، وفك العزلة عن الجماعات القروية، وتشجيع سياسة وثقافة الانفتاح والبحث عن شراكات وعقد تعاون.

ب- ترسيخ ثقافة التنمية الإدارية بالجماعة : في مقدمتها تبسيط الإجراءات والمساطر الإدارية وجعل الجماعات المحلية كمرافق عمومية في خدمة المواطن، وتحديث أساليب العمل الإداري وربط جسور الثقة بين المواطن والإدارة، وإلزامها بالمفهوم الجديد للسلطة والجماعة المواطنة عبر نهج سياسة أكثر مواطنة لتطوير العمل الجماعي.

ج- اعتبار الجماعة فضاء للتنمية الاجتماعية : وذلك عبر نهج سياسة تضامنية مبنية على تكافؤ الفرص وجعل إمكانيات الجماعات المحلية في خدمة المواطن دون أي تمييز أو استغلال نفوذ .

ووضع أجندة اجتماعية تكون أولوياتها محاربة آفات الفقر والجهل والتهميش والأمية.

د- الاستثمار في التنمية الإعلامية: نهج سياسية إعلامية مؤسساتية وتواصلية لربط العلاقات بينها وبين المواطن وجعل إمكانيات الجماعة رهن إشارة المستثمرين عبر ربطها بالشبكة الإلكترونية .

ه- ربط فضاء الجماعة بالتنمية الثقافية : وذلك بتوفير الحد الأدنى من البنيات التحتية للفعل الثقافي بهدف إبراز الخصائص الثقافية للجماعة، مع تشجيع المواطن على الابتكار والخلق.

و- جعل الجماعة في خدمة التنمية الرياضية : تعتبر اليوم الرياضة من أهم قطاعات الإشعاع المحلي وعلى هذا الأساس فعلى الجماعة تهييء الشروط لتشجيع الشباب على ممارسة الرياضة بجميع أشكالها ورصد الاعتمادات المالية لدعم الجمعيات الرياضية أو احتضانها وإعداد البنيات الرياضية لذلك.

الحاجة إلى ترسيخ ثقافة المواطنة يتبين مما قلناه سابقا أن العمل الجماعي ما زال في حاجة أكثر إلى ترسيخ ثقافة المواطنة.

هذه الثقافة التي تنطلق من جعل الجماعة في خدمة المواطن وترسيخ قيم الشفافية والمحاسبة والمراقبة، خصوصا في ظل القانون الجديد المتعلق بالأحزاب السياسية، ومشروع مدونة الانتخابات الجديدة، التي تنص على إلزام المنتخبين بالتصريح بممتلكاتهم.

وأعتقد أن هذا من مسؤولية الدولة ممثلة في المجلس الأعلى للحسابات لتحريك مساطر المحاسبة على مستوى ترشيد النفقات والمال العمومي، ومسؤولية الأحزاب السياسية في اختيار المرشحين للانتخابات الجماعية، وإعادة تكوينهم على ثقافة المواطنة، ومطالبتهم بتدبير الشأن المحلي وفق مقاربة شمولية ترتكز على مبادئ الديمقراطية السياسية، والفعالية الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي، وجعل الجماعة فضاء أمام كل مواطن لاستثمار قدراته ومؤهلاته خدمة لجماعته.

ومن هذا المنظور، على الدولة أن تكون لها الإرادة السياسية الواضحة لتوفير البيئة السليمة لجعل الجماعات شريكة في بناء الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية الجهوية
والأكيد أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أعلن عنها جلالة الملك، يجب أن تعتمد كمرجعية وكبرنامج عام ملزم للجماعات بإنجازه، خصوصا وإن المبادرة التي أعطى انطلاقتها جلالة الملك تعتبر لبنة جديدة لاستكمال بناء هذا الصرح، وتوطيد أركانه
مبادرة تعتمد على أربع ركائز مرجعية أساسية، حددها جلالته بقوله : "وتنبع مبادرتنا، في المقام الثاني، من اقتناعنا بأن إعادة التأهيل الاجتماعي عملية معقدة، شاقة وطويلة النفس، لا يمكن اختزالها في مجرد تقديم إعانات ظرفية، أو مساعدات موسمية مؤقتة .كما لا يمكن التعويل فيها على الأعمال الخيرية، أو الإحسان العفوي، أو الاستجابة لوازع أخلاقي، أو لصحوة ضمير".

وأضاف جلالته : »ومع حرصنا على ضرورة التشبع المستمر بهذه الفضائل، وإسهاماتها المحمودة، فإننا نعتبر أن التنمية الفعالة والمستدامة لن تتحقق إلا بسياسات عمومية مندمجة، ضمن عملية متماسكة، ومشروع شامل، وتعبئة قوية متعددة الجبهات، تتكامل فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والتربوية والثقافية والبيئية«
أما »المرتكز المرجعي الثالث للمبادرة، فهو خيار الانفتاح، الذي اعتمدناه، بكل مسؤولية، للانخراط في عالم يعرف تحولات متسارعة، وتغيرات عميقة، ويفرض بالتالي إكراهات، وتحديات، تعرض تماسك الروابط الاجتماعية والترابية للهشاشة، وتفرض أنماطا للعيش والاستهلاك، ونماذج فكرية كاسحة، لا يمكننا تفاديها أو تجاهلها ..

وتنطلق هذه المبادرة رابعا وأخيرا، من العبر المستخلصة من تجاربنا السابقة، ومن النماذج الموفقة لبعض البلدان، في مجال محاربة الفقر والإقصاء، التي تدل على أن رفع هذا التحدي، رهين بالتحديد المضبوط للأهداف، وبالتعبئة الشاملة لبلوغها.

كما تدلنا تلك التجارب على محدودية جدوى المقاربات التنموية غير المندمجة، ذات الطابع القطاعي الانفرادي، المنعزل عن باقي القطاعات الأخرى، فضلا عما تؤدي إليه من الاختلالات الناجمة عن تعدد الفاعلين، وتشتيت الجهود، وتبذير الموارد"

الاستعجال والحاجة الملحة، لتحديد المستهدفين بالأسبقية

وتابع جلالته : "وإنه لعهد وثيق يجب أن نأخذه جميعا على أنفسنا لتكريس كل الجهود، من أجل انتشال الفئات والجهات المحرومة من براثن الفقر والإقصاء والتخلف، وتمكينها من الأخذ بناصية التقدم، وتحقيق التنمية البشرية المستدامة، باعتبارها المعركة الأساسية لمغرب اليوم والغد وإن محدودية مواردنا المادية، ليست مبرراً لقبول هذه الوضعية المزرية، التي لا نرتضيها لشعبنا الأبي".

وانطلاقا من فلسفة الخطاب الملكي هذا، فإن التدبير الناجع للجماعات يتطلب إعادة النظر في ميثاق الجماعات المحلية، وتمكينها من الممارسة الفعلية لسلطتها التقريرية والتنفيذية، وإعادة هيكلة وتنظيم وتأطير الجماعة المحلية وتطوير التعاون الجماعي مع القطاع الخاص في إطار الشركات ذات الاقتصاد المختلط ووضع الآليات التشريعية والتنظيمية والمالية لتفعيل هذا التعاون وتصحيح المسار الديمقراطية المحلية لإرجاع المصداقية للعمل الجماعي، والالتزام بالخطاب الملكي حول المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

فهل سيكون ملتقى أكادير حول الجماعات المحلية وفق هذه التطلعات، خصوصا بعد اختيار المغرب الحكم الذاتي كآلية ديمقراطية لتدبير النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية لجعل الديمقراطية المحلية أساس تقوية الوحدة الوطنية وتحقيق التنمية الشاملة؟

ومتى سيقتنع الفاعلون السياسيون بأن الترسانة القانونية لوحدها لا تكفي من أجل إقامة جماعات فعلية، لأن ذاك يتطلب سلوكات ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية
سلوكات يمكن اختزالها في معادلة الموارد البشرية الديمقراطية؟




تابعونا على فيسبوك