يهدف ملتقى الجماعات المحلية حول تنمية المدن إلى وضع مقاربات جديدة في مجال تدبير المدن تكون في مستوى مواجهة التحدي الذي يفرضه النمو المتسارع للمدينة المغربية، وما يستتبعه من انعكاسات اجتماعية واقتصادية ومالية .
وكان محمد سعد حصار،الوالي الكاتب العام لوزارة الداخلية، أكد في ندوة صحفية عقدها قبل فترة بالرباط، أن الاهتمام بالمدن أصبح يشكل أولوية في السياسة الحكومية، مبرزا أن حجم الرساميل الموظفة في المشاريع التنموية والأوراش الكبرى بالمدن بلغت، في الفترة الأخيرة، حوالي 10 ملايير درهم.
وأشار حصار، إلى أن الاعتمادات الموجهة لتأهيل المدن عرفت في الآونة الأخيرة ارتفاعا تتراوح نسبته ما بين 8 و12 في المائة، وهو ما يعكس الاهتمام الموجه من طرف السلطات المعنية للمدينة.
ويستلهم ملتقى الجماعات المحلية حول تنمية المدن روح الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش لسنة 2006، والذي أكد فيه جلالته أن هذه السنة تصادف مرور ثلاثين عاما على إقرار الميثاق الجماعي لسنة 1976، الذي تمت مراجعته وتطويره سنة 2002، وهي مناسبة يتعين علينا أن نجعل منها محطة لتقويم تجربتنا، في مجال الديموقراطية المحلية لاستشراف ما نسعى إليه، من توسيع نطاق الممارسة الديموقراطية، وتحقيق نجاعة السياسات والبرامج العمومية.
وفي هذا الصدد يتعين علينا إعطاء نفس جديد لمسار اللامركزية والجهوية، والعمل على أن يُصبح التدبير اللامتمركز، بوصفه لازمة لخيار اللامركزية، قاعدة أساسية في جميع القطاعات العمومية، ومقوما ضروريا للحكامة الترابية الجيدة.
وسيشارك في الملتقى حوالي 600 مشارك من منتخبين محليين وممثلي الدولة والمؤسسات العمومية والمصالح الخارجية وممثلي هيئات المجتمع المدني وعمداء بعض المدن الأوروبية والعربية والإفريقية وأساتذة جامعيين وخبراء.
وستُنظم أشغال هذا الملتقى في جلسات عمومية على مدى يوم ونصف، وسيتولى وزراء في الحكومة رئاسة أشغال ورشات الملتقى التي سوف تُنشط من طرف أخصائيين جامعيين.
ويُعتبر ملتقى الجماعات المحلية حول تنمية المدن مناسبة لمناقشة الرهانات والتحديات في أفق تحقيق تنمية فعالة ومستدامة للمدن المغربية.
وسينكب الملتقى على دراسة محاور تهم : حصيلة التجربة المغربية في مجال تنمية المدن، وجرد المكتسبات ومواطن القوة والضعف والفرص التي منحتها الإصلاحات التي انخرط فيها المغرب في مجال حكامة المدن وتنميتها، ومنح الفاعلين في مجال التنمية المحلية فرصة للتعبير عن انتظاراتهم وطموحاتهم والتأكيد على دورهم بصفتهم شركاء وانخراطهم في أوراش تنمية المدن.
وسيشكل الملتقى فرصة لتقديم شهادات عن التجارب الناجحة والتعريف بها حتى تكون نموذجا يُحتذى في مجال تدبير المدن، بالإضافة إلى توفير الشروط الكفيلة بإيجاد تفاعل بين مختلف المتدخلين في مجال تنمية المدن من خلال اعتماد سياسات تشاركية وتعاقدية.
وسيعالج الملتقى محاور أساسية ثلاثة تتعلق بحكامة المدن، والمرافق العمومية، ونمو المدن.
وسينصب النقاش بخصوص الموضوع الأول على العلاقات بين الدولة والمدن، من خلال دراسة تطور مسار اللامركزية وشروط نجاحها، وخاصة كيفية تحسين وتقوية العلاقات المؤسساتية والتعاقدية بين الدولة والمدن.
فالتعاقد بين الفاعلين العموميين الوطنيين والمحليين، يُمكن من تحسين وعصرنة العلاقات بين الدولة والمدن من خلال : تحديد مسؤوليات محتلف الفاعلين العموميين بشكل واضح، وتعبئة جميع الفاعلين العموميين، والتنسيق الفعال في إنجاز مشاريع التنمية، وتوازن مالي للمدينة يتجاوز الإطار الضيق للميزانية السنوية إلى مدى أبعد
وسيتناول الملتقى بالنسبة إلى الموضوع الأول، أيضا، العلاقات بين المدن والشركاء المحليين من قطاع خاص، ومجتمع مدني.
انطلاقا من كون حكامة المدن تستوجب وجود تنسيق بين جهود الفاعلين الاقتصاديين بالنسبة إلى المشاريع المقدمة من طرف المنتخبين من خلال تطوير الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، كما تستوجب في الآن نفسه تعبئة الجمعيات المحلية حتى يتسنى للمواطنين المشاركة في مختلف مراحل إنجاز المشاريع المحلية.
وفي هذا الإطار، خُولت للجماعات المحلية صلاحيات جديدة ترمي إلى إشراك الساكنة في تدبير الشأن المحلي.
فالنصوص القانونية التي صدرت سنة 2002 دعمت الديمقراطية المحلية التشاركية وحثت المدن على تشجيع إحداث جمعيات الأحياء السكنية التي تُشكل نقطة وصل للتبادل والتحاور بين المنتخبين والمواطنين.
وفي هذا الإطار يتسم نمط الحكامة الذي تنبني عليه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بإشراك كافة المتدخلين في التنمية من قطاع عمومي (الدولة والجماعات المحلية)ومجتمع مدني وفاعلين اقتصاديين خواص.
وتخضع المدن الكبيرة منذ إحداث نظام وحدة المدينة بالمغرب لنظام خاص يتجسد في وجود مجلس للمدينة يتمتع باختصاصات واسعة ومجالس للمقاطعات.
وبمقتضى هذا النظام الخاص، تتكون المدن التي يزيد عدد سكانها عن 500 ألف نسمة من جماعات حضرية تسري عليها أحكام القانون العام ومن مقاطعات مسيرة من طرف مجالس منتخبة ذات اختصاصات استثنائية.
وبخصوص الموضوع الثاني المرتبط بالمرافق العمومية، تجدر الإشارة إلى أنه من بين المرافق التي عرفت نموا ملحوظا، تلك المتعلقة بالخدمات المقدمة عبر الشبكات كتوزيع الماء الصالح للشرب والتطهير السائل وتوزيع الكهرباء والنقل الحضري والنظافة.
لكن رغم المجهودات المبذولة، لا زال حجم الحاجيات الناجمة عن النمو الحضري المرتفع وعن وتيرة تطور الأنشطة، في تزايد.
إضافة إلى ذلك، يقتضي تعدد المتدخلين وصعوبة توفير التمويل اللازم البحث عن أنماط جديدة للتدبير ووضع آليات للمراقبة والضبط.
وفي ما يتعلق بتمويل المرافق العمومية، فإن اتساع الفرق بين الموارد وتكاليف إنتاج الخدمة وتفاقمها بسبب تطبيق تسعيرات تفضيلية بالنسبة إلى بعض الخدمات، جعلا البحث عن موارد دائمة للتمويل أمرا ملحا.
فالتمويل يُعتبر إكراها يتعين معالجته نظرا لتوسع هذه المرافق وارتفاع تكاليفها ومحدودية الموارد التي توفرها التعريفة.
وفي هذا الإطار، هناك عدد من التوجهات المهمة التي تقتضي الدراسة، من بينها على سبيل المثال : التعريفة الملائمة، مبدأ تغطية التكاليف، إحداث صناديق للدعم.
في السياق ذاته، وفر القانون المتعلق بالتدبير المفوض، للجماعات إطارا ملائما لاختيار طرق تدبير المرافق العمومية، لكن يتعين الآن تتميمه وإغناؤه بمنظومة مؤسساتية تحتوي على آليات فعالة لتنظيم وضبط أنشطة المستغلين.
لقد أضحت الحاجة ملحة إلى مثل هذه الآليات بالنسبة إلى النقل الحضري داخل التجمعات الكبرى التي تُستعمل بداخلها العديد من وسائل التنقل.
وبالنسبة إلى الموضوع الثالث الذي سيشكل محور ملتقى الجماعات المحلية، فلابد من الإشارة إلى أن عدد سكان المدن المغربية شهد نموا سريعا خلال الأربعين سنة الماضية، إذ انتقل من 3،4 ملايين نسمة سنة 1960 إلى 16،5 ملايين سنة 2004، بمعنى أنه تضاعف أربع مرات في أقل من نصف قرن، مما رفع نسبة التمدن من 29 في المائة إلى 55 في المائة بالنسبة إلى مجموع سكان المغرب.
وحسب توقعات المندوبية السامية للتخطيط، سيصل عدد سكان المدن إلى 25 مليون سنة 2020 .
وأصبح من المؤكد ، اليوم، أن المدن المغربية أصبحت المجال الرئيسي لخلق الثروات، كما تعتبر قطبا يلعب القاطرة بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني.
وباعتبارها محركا للتنمية، ستلعب خلال السنوات القادمة دورا فعالا في تأهيل البلاد وفي تحسين تنافسيتها على الصعيد الدولي.
لكن حركية التمدين النشيطة المتجلية في التوسع والامتداد خلفت انعكاسات سلبية من بينها : نقص في المرافق ومشاكل التنقل وتدهور الفضاءات العمومية مما يستدعي بلورة رؤية جديدة لتنمية المدن المغربية تراعي جماليتها وتوفق بين التمدن السريع وتوفير البنيات التحتية الأساسية المناسبة.