حقوق الإنسان : المعركة المفتوحة

الإثنين 11 دجنبر 2006 - 16:55
كشف قبور ضحايا سنوات الرصاص كان أحد تحديات مرحلة الإنصاف والمصالحة (خاص).

احترام حقوق الإنسان لا ينفصل عن الإطار المؤسساتي لممارسة هذه الحقوق كما هو متعارف عليها دوليا، وكما سطرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، عام 1948، بعد ثلاث سنوات على نهاية الحرب العالمية الأولى. (أنظر الملف)

بهذا المعنى فإن الحديث عن حقوق الإنسان لا يستقيم إلا في إطار الديموقراطية ودولة القانون.

وإذا كانت الأسس الأولية لهذه الحقوق مضبوطة ومحددة في المواثيق الدولية فإنها لا تستقر في صورة نهائية مثالية ونموذجية، إذ تظل دائما قابلة للتطوير نحو الأفضل، كما أن الضمانة الأولى لاستمرارها هي الإنسان نفسه، من حيث استعداده لصيانتها، في سياق علاقات التعاقد المجتمعية.

في حالة المغرب أيضا ارتبطت القفزة النوعية في المجال الحقوقي ببداية الانفراج السياسي، والانتقال من منطق الصراع إلى مرحلة التوافق والتدبير السلمي للخلاف بين الأطراف السياسية.

وفي هذا السياق بالذات صادق المغرب ووقع وانضم إلى العديد من الاتفاقيات ذات الصلة بالنهوض بحقوق الإنسان، إذ تبقى فترة عقد التسعينات من القرن الماضي الأكثر تجسيدا للالتزام الرسمي للدولة باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وترسيخ دولة القانون.

ويعتبر إنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان عام 1990 والوزارة المكلفة بحقوق الإنسان في 1993 وديوان المظالم في 2001 ، ثم هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2003، أبرز الخطوات الرسمية المعبرة عن إرادة تكريس ثقافة وقيم حقوق الإنسان.

هكذا عرف المغرب دينامية ملحوظة على مستوى تعزيز آليات النهوض بحقوق الإنسان، ليس فقط في بعدها السياسي، بل في شموليتها، بما يتعلق بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في السياق العام لمشروع الإصلاح وبناء الدولة والمجتمع الديموقراطي الحداثي، باعتباره الإطار الأمثل المنشود لتنظيم العلاقات بين الدولة والمواطن، وممارسة السياسة في إطار سليم على قاعدة التدبير السليم والمتحضر للخلافات، وإنجاز التنمية الشاملة، بخلق الثروة وتوزيعها بصورة عادلة بين الأفراد والجماعات والجهات.

في هذا السياق يحضر عمل هيئة الإنصاف والمصالحة والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وقانون الأحزاب كمعالم كبرى مؤسسة.

وتكمن أهمية الهيئة في كونها تجاوزت المجال الحقوقي الضيق إلى المشروع الأكبر للإصلاح، كما كرست ذلك توصياتها في تقريرها النهائي.

واشتغلت الهيئة منذ تنصيبها 2004، كلجنة وطنية للحقيقة من أجل كشف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على امتداد فترة زمنية تتناول 43 سنة (1956- 1999)، تتداخل وتتقاطع فيها أحداث غير متجانسة ذات طابع سياسي ونقابي واجتماعي، بعضها تعد الدولة طرفا فيه، كما سجلت تدخل أطراف أخرى في الانتهاكات، غير الدولة.

وسعت المقاربة المعتمدة من طرف الهيئة إلى أن تكون شمولية وتشاركية تسعى إلى التأسيس للمستقبل، متوخية أن يكون أن يكون الهدف الأسمى هو أن تشكل خلاصة تحرياتها وتحقيقاتها "خريطة طريق" لفائدة الدولة والفاعلين السياسيين والفعاليات المجتمعية والجامعية والمجتمع بصفة عامة، على طريق البناء الديموقراطي واحترام حقوق الإنسان ثقافة وممارسة، على اعتبار أن معرفة الحقيقة وفهمها وتمثلها عنصر حيوي في طي صفحةالماضي وتحقيق المصالحة، من أجل الانصراف بصفاء نفس للمستقبل حيث المعارك الحقيقية التي يتطلع لها المواطن في البناء والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وترسيخ الديموقراطية.

أدركت هيئة الإنصاف والمصالحة أهمية إحداث إصلاحات على صعيد المؤسسات وعلى المستوى التشريعي والدستوري، فجاءت التوصيات المتضمنة في التقرير النهائي كمساهمة إضافية في جهود تعزيز مسلسل الإصلاحات بالتأكيد على الضمانات الدستورية لحقوق الإنسان، وخصوصا التنصيص على أولوية القانون الدولي لحقوق الإنسان على القانون الداخلي.

وكان طبيعيا ألا ينجو عمل الهيئة من انتقادات من طرف الهيآت الحقوقية ومن جانب الضحايا وذويهم، ولو أن النقد لم يصل إلى درجة الطعن أو الرفض، في ظل توافق عام بتثمين تجربة فريدة من نوعها في العالم العربي والإسلامي، يفترض التقييم الموضوعي لها وضعها في سياق الحالة المغربية، حيث يتعلق الأمر بتغيير في إطار الاستمرارية، ما دام النظام السياسي المغربي الذي جرت في ظله الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، هو نفسه الذي اكتسب الوعي بضرورة فتح ملف "سنوات الرصاص"، في سياق إرادة المصالحة والإصلاح، وفي ظل مخاض الانتقال بما يتخلله من تعثر واستمرار لـ "جيوب المقاومة"، وأيضا مخاطر التراجع والانتكاس، كما أنذرت بذلك التجاوزات المسجلة غداة هجمات 16 ماي 2003 الإرهابية في الدار البيضاء، ما دامت حقوق معركة مفتوحة باستمرار من أجل الأفضل.




تابعونا على فيسبوك