يحتفل المغرب، على غرار باقي دول العالم، باليوم العالمي لمحاربة العنف ضد النساء، الذي يصادف 25 نونبر من كل سنة،
ورغم المبادرات والخطوات الجريئة العديدة التي اتخذها المغرب لتحسين وضعية المرأة بشكل عام ولمحاربة العنف ضد النساء بشكل خاص، إلا أنه ما تزال هناك حالات مؤثرة تتناقلها وسائل الإعلام لنساء يتعرضن لأنواع سوء المعاملة والتعنيف.
وأفاد تقرير حديث أنجزته الشبكة الوطنية لمراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف بالمغرب أناروز أن 91.7 في المائة من المعنفات يتعرضن للاعتداء من قبل أزواجهن أو أشخاص تربطهن بهم علاقات حميمة.
وأوضح هذا التقرير التمهيدي حول العنف المبني على النوع الاجتماعي انه من حيث طبيعة العنف، فإن 43.9 في المائة من النساء تعتبره عنفا قانونيا و26.2 في المائة بدنيا
و18.7 في المائة نفسيا و9 في المائة جنسيا، فيما ترى 2.2 في المائة انه عنف اقتصادي.
وسجل التقرير، الذي اعتمد كمقاربة المعطيات التي قدمتها النساء المترددات على مراكز الاستماع ما بين شتنبر 2005 وفبراير2006 بخصوص الآثار المترتبة عن العنف، أن 18 في المائة من الضحايا اللائي يشتغلن تعرضن إلى عدة توقفات عن العمل وأن 3 في المائة فقدن العمل، كما صرحت 88 في المائة أن حالات العنف التي تعرضن لها تركت تأثيراتها على صحتهن.
ولئن كانت هذه الأرقام تعكس إلى حد ما حجم الظاهرة، فإنها لا تقدم صورة دقيقة وحقيقية عن واقع العنف، إذ أنها تهم فقط النساء اللائي يقصدن مراكز الاستماع، في حين أن العديد من النساء المعنفات يعانين في صمت لأسباب تظل طي الكتمان في مجتمع تفرض فيه التقاليد والعادات على المرأة التحلي بالصبر والتضحية، حفاظا على تماسك أسرتها ولو على حساب سعادتها.
وتكون أسباب العنف في معظم الأحيان بسيطة، حيث كما جاء في دراسة لمنظمة الصحة العالمية حول العنف، شملت مقابلات أجريت مع أكثر من 24 ألف امرأة في عشر دول تراوحت بين اليابان وتايلاند إلى إثيوبيا وبيرو، فإن »العنف المنزلي يمكن أن تنطلق شرارته من تأخير وجبة العشاء أو عدم إنهاء العمل المنزلي في الوقت المحدد أو عدم الطاعة أو رفض ممارسة الجنس.
وفي كثير من الحالات توافق نساء على أنه من المبرر أن يضرب الرجل زوجته في ظروف معينة.
وأمام هذا الواقع، لا يمكن بأية حال إنكار الدور الحيوي الذي يقوم به المجتمع المدني في محاربة العنف ضد النساء والذي تعزز خلال السنوات الأخيرة من خلال تأسيس إطار من التعاون والشراكة بين الحكومة وجمعيات المجتمع المدني وكل الفاعلين المعنيين.
وتجلى هذا التعاون عبر تعزيز الجهود الوطنية في مجال محاربة هذه الظاهرة عبر وضع استراتيجية وطنية للإنصاف والمساواة، تستهدف إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية والمحلية، وتنفيذ العديد من مكونات ومقتضيات الاستراتيجية الوطنية لمحاربة العنف ضد النساء، حيث عرفت هذه السنة إطلاق خدمات رقم أخضر مجاني وإحداث مرصد وطني لمحاربة العنف ضد النساء.
كما تعززت الجهود المبذولة على صعيد الجمعيات النسائية بإحداث الشبكة الوطنية لمراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف أناروز التي تضم الآن 39 مركزا عبر تراب المغرب
وتهدف هذه الشبكة إلى خلق وتطوير شبكة وطنية للمراكز القانونية الخاصة بمناهضة العنف ضد النساء بمختلف جهات المغرب وتقوية قدرات هذه المراكز في هذا المجال وتوحيد عملية جمع وتسجيل وتحليل ونشر المعطيات الخاصة بالعنف المبني على التمييز الجنسي.
كما ترمي الشبكة، التي أطلقت بوابتها الالكترونية هذه السنة، إلى تعزيز التعاون وتبادل المعلومات بين مختلف مراكز الاستماع وتسهيل عملية الترافع للجمعيات في ما يخص مناهضة أشكال العنف وتحسيس أصحاب القرار والرأي العام بقضايا العنف ضد النساء، وتمكين العموم من الحصول على المعلومات الخاصة بالعنف ضد النساء.
وتظل الإصلاحات القانونية أهم المكتسبات التي تم تحقيقها في مجال محاربة العنف ضد النساء والتي همت بالخصوص إقرار مدونة الأسرة من أجل رفع الحيف عن المرأة وكذا مدونة الشغل تجريم التحرش الجنسي بأماكن العمل بالإضافة إلى ملاءمة التشريع الوطني مع المواثيق الدولية، حيث قرر المغرب خلال السنتين الماضية والجارية رفع تحفظه بشأن بعض مواد عدد من الاتفاقيات التي ينخرط فيها، ويتعلق الأمر بمناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة، مع إعلان انخراطه في البروتوكول الاختياري الملحق بالاتفاقية الدولية لمناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
وترى سعيدة الإدريسي، نائبة رئيسة الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب ومسؤولة بمركز الاستماع والإرشاد القانوني للنساء ضحايا العنف "نجمة"، أن "النساء لازلن يعانين من العنف على جميع المستويات وبمختلف الأشكال"، معتبرة "أنه لحد الآن ليست هناك إرادة سياسية لمحاربة هذه الظاهرة في ظل غياب مراكز لإيواء النساء ضحايا العنف تكون تحت مسؤولية الدولة إلى جانب مراكز الاستماع التابعة للجمعيات النسائية".
وأضافت الإدريسي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء "لا نرى أي نتائج ملموسة على أرض الواقع للاستراتيجية الوطنية لمحاربة العنف ضد النساء بالرغم من وضع رقم أخضر ومرصد لمناهضة العنف، ليس هناك تصور واضح ومؤسساتي لمناهضة العنف ضد المرأة".
ونبهت إلى أنه في ما يخص الخلايا التي تم إحداثها في وزارة الصحة والمحاكم لمساندة النساء المعنفات، هناك نقص في الموارد البشرية خاصة النسائية منها، مشيرة إلى أن النساء المعنفات يشعرن بالحرج عند توجههن إلى مراكز الشرطة أو إلى المحاكم خاصة في حالة الاغتصاب.
ودعت في هذا الإطار إلى ضرورة تفعيل دور المساعدات الاجتماعيات والتسريع بتوفير النظام الأساسي لهن لكي يتمكن من الاشتغال في ظروف جيدة.
وبخصوص مواكبة المجتمع المدني لهذه المناسبة، قالت الإدريسي لا ننتظر الأيام الأممية من أجل محاربة العنف ضد النساء لأن هذا يشكل صلب عملنا ويندرج في مهمتنا الرامية إلى الدفاع عن حقوق المرأة ومناهضة العنف المبني على النوع.
وأشارت إلى أن الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب ستخصص هذه الأيام الأممية لتنظيم حملة وطنية حول قانون الجنسية، لافتة إلى أنه رغم تشكيل لجنة بوزارة العدل لتغيير المادة 6 و9 في قانون الجنسية، إلا انه ليس هناك لحد الآن أي نتائج.
وأضافت أن حملتنا تهدف إلى المرافعة من اجل تغيير هذا القانون والدفع نحو إحالته على البرلمان لتمتيع المرأة بجميع حقوقها ومنح جنسيتها لأطفالها دون قيد أو شرط.
واستجابة لصرخة النساء المعنفات، تبقى الحاجة ملحة لإيجاد الإطار القانوني المؤطر لإنشاء مراكز الإيواء بالنسبة إلى النساء ضحايا العنف، ودراسة إمكانية خلق آلية متخصصة في تحمل نفقات الرعاية الصحية والاجتماعية المرافقة للنساء المعنفات في حالة احتياج، وكذا التفكير في توسيع النقاش ليشمل العنف خارج إطار الأسرة في مختلف مؤسسات التنشئة والرعاية الاجتماعية.
و م ع