هيئة مستقلة لاستقبال ومراقبة التصاريح بالممتلكات والقيام بالتحريات

قانون من أين لك هذا؟ لم ينفع في الحد من نهب أموال الشعب

الجمعة 24 نونبر 2006 - 18:05

معضلة الإدارة المغربية أنها تعيش خارج العصر والزمن، ولا تعني لها شيئا التحولات العالمية المتسارعة، التي تحكم بالموت على من لا يركب معها قطار التطور، الذي لا يعرف التوقف في المحطات لانتظار المتخلفين عن الموعد.

ورغم كل الشعارات والخطب، لم تستطع الإدارة أن تتحول إلى مقاولة كبيرة، مبنية على الفعالية والإنتاجية، وأن تخضع لمحاسبة دافعي الضرائب، وأن تتحمل مسؤولياتها كاملة في تدبير المال العام، وترسيخ الشفافية، ابتداء من تدبير الصفقات العمومية، وصولا إلى مختلف تفاصيل علاقتها بالمواطن.

ولعل إشكالية مشروع قانون الإقرار بالممتلكات، الذي صادق عليه مجلس الحكومة، أمس الخميس، أبرز نموذج على سكونها لحد الجمود القاتل، فضلا عما يطرحه المشروع إياه من أسئلة حارقة، من قبيل : لماذا ظل المغرب مسكونا بهاجس قانون التصريح.

بالممتلكات منذ الاستقلال إلى اليوم؟ ولماذا ظل عاجزا عن ترسيم هذا القانون لحقبة من الزمن، وعندما فعل، وجد نفسه عاجزا عن إعماله وتفعيله؟ نستحضر هنا الكثير من الظواهر والممارسات، التي كانت تتناسل وتتفرع وتتفرعن في حمأة الصراع السياسي، الذي اندلع بعنف على السلطة، في أعقاب الاستقلال.

وكان آباؤنا يتحدثون عن كثير من النماذج والحالات، في المركز والمحيط، لم تكن تملك شيئا، وبقدرة قادر اغتنت بصورة فاحشة بمجرد تحملها لمسؤولية ما في إدارة الشأن العام، محلية أو إقليمية أو جهوية أو وطنية.

ويتحدثون عن فلان وعلان وفرتلان، الذين كانوا يحصون بالسنتيمات، فباتوا يلعبون بالملايين، ومنهم من يلعب بالملايير.

وكان الحرص على سمعة ونزاهة الإدارة المغربية لكي لا تشوبها شائبة هو الذي حرك إقرار القانون المذكور، وحرك محاولات مراجعته من قبل حكومة عبد الرحمن اليوسفي، والمصادقة عليه من حكومة إدريس جطو.

ما زلنا نتذكر وزير الوظيفة العمومية آنذاك، امحمد الخليفة، الذي أعد مشروعا بديلا انطلاقا من أرضية مرجعية تستند إلى إرادة التخليق الملكية، اعتبارا لما لقيه الموضوع من دعم عميق لجلالة الملك محمد السادس، في رسالته الموجهة إلى ندوة طنجة حول "تخليق المرفق العام"، التي أكد فيها جلالته ضرورة تفعيل قانون التصريح بالممتلكات.

واللافت أن القانون موجود بالفعل، وفكرته ظلت ترفعها القوى الوطنية منذ السنوات الأولى للاستقلال في ما عرف بقانون "من أين لك هذا؟".

لكن الإشكال أن الثغرات الكبرى للقانون الحالي جعلته في وضع التجميد عمليا، فهو لايرتب أي جزاءات على الأشخاص الخاضعين لهذا القانون، الذين يمتنعون عن التصريح، إضافة إلى متاهات التحايل المعروف، الذي يجعل أعدادا من الملزمين بالتصريح يعمدون إلى إخفاء ممتلكاتهم، عن طريق تمريرات قانونية شكلية، من خلال تسجيل هذه الممتلكات باسم الأبناء والبنات والزوجات وغيرهم من الأقارب.

استحضار هذه الوضعيات وغيرها هي أهم جديد يحمله مشروع القانون الذي أعده الخليفة، والشيء نفسه بالنسبة إلى نجيب الزروالي، الوزير السابق المكلف بتحديث القطاعات العامة، الذي أعد بدوره مشروعا آخر، وصولا إلى المشروع المصادق عليه أمس في مجلس الحكومة، ويعلم الله الصراط، الذي ينتظره حتى يصدر في الجريدة الرسمية.

مصادر "المغربية" تفيد أن هذا المشروع لا يكاد يختلف في شيء يذكر عن مشروع الخليفة أو مشروع الزروالي، ويستهدف، بصفة أساسية، من جهة، تبرئة ذمة المسؤولين الكبار العاملين بالإدارة من أن تلحقهم شائبة أو اتهام.

ومن جهة ثانية، ترتيب الجزاءات اللازمة في حق الذين يستغلون مواقعهم ونفوذهم وسلطتهم للتربح والاغتناء اللامشروع.

وطبقا لبنود هذا المشروع، التي أطلعنا عليها مصدر وثيق الصلة بالموضوع، والتي تشكل قيمة مضافة مقارنة مع مقتضيات القانون "الميت" الحالي، نجد أن قيمته المضافة تتركز في سبعة بنود : أولا، علاوة على الأشخاص المعنيين بالتصريح بالممتلكات، وفق القانون الحالي، من مسؤولين حكوميين وموظفين سامين وأعضاء مجلس النواب، نجد المشروع الجديد أضاف إليهم أعضاء مجلس المستشارين، ورؤساء المجالس المحلية، ومديري الشركات أو المقاولات، التي تمتلك فيها الدولة، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، أسهما في رأس المال، أو سلطة مرجحة في اتخاذ القرار.

ثانيا، إخضاع أزواج المصرحين وأبنائهم القاصرين الموجودين تحت كفالتهم، لمقتضيات هذا القانون، بهدف تتبع وتقييم الذمة المالية للأسرة الواحدة.

ثالثا، إلزام الأشخاص الخاضعين لهذا القانون، بتقديم تصاريحهم بممتلكاتهم العقارية، والقيم المنقولة في تاريخ التوظيف أو التعيين أو مباشرة بعد الانتخاب، وإلزامهم كذلك بتقديم هذه التصاريح بمناسبة الحذف من الأسلاك الإدارية أو الإعفاء أو انتهاء مدة الانتداب لسبب غير الوفاة.

رابعا، إقرار نشر تصاريح أعضاء الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان بالجريدة الرسمية لترسيخ ثقافة الشفافية والنزاهة في تدبير الشأن العام.

خامسا، إلزام المصرحين بتحيين تصاريحهم كلما وقع تغيير في شأنها.

سادسا، إحداث لجنة وطنية للأخلاقيات تتكفل باستقبال وتتبع ومراقبة التصاريح المدلى بها، يتشكل أعضاؤها من قضاة يعينون بظهير لمدة أربع سنوات.

سابعا، إقرار عقوبة تأديبية في حق الأشخاص الذين يخرقون مقتضيات هذا القانون، ودون الإخلال بالمتابعات الجنائية عند الاقتضاء.

المشروع إذن بات جاهزا لدى الحكومة، بعد المصادقة.

هذا معلوم، لكن متى يرى النور، ذلك أمر عند علام الغيوب، وفي انتظار ذلك، يبقى الحبل على الغارب، لمختلف أنواع استغلال النفوذ والإثراء اللامشروع ونهب أموال الشعب، التي رصد منها وزير العدل، محمد بوزوبع، ركاما من القضايا، التي فصلت فيها محكمة العدل الخاصة، منذ 1965 إلى إلغائها سنة 2004، بأحكام تهم استرداد 140 مليار سنتيم، لم يقع تنفيذ سوى أحكام بقيمة 4 ملايير سنتيم فقط، في حين تبقى الدولة لحد الآن عاجزة عن استرداد 136 مليار سنتيم.

وهذا دون استعراض ما عرفته البلاد حديثا من فضائح مالية كبرى، في كثير من المؤسسات العمومية، الإدارية والبنكية وشبه البنكية، بعضها عرض على العدالة، والبعض الآخر ما زال ينتظر، بعض المتابعين صدرت في حقهم أحكام، وآخرون ينتظرون دورهم في الصف.




تابعونا على فيسبوك