تابعت لجنة الداخلية واللامركزية والبنيات الأساسية مناقشتها لمشاريع القوانين الانتخابية يوم الجمعة بالبرلمان، والمتأمل في تدخلات أحزاب الأغلبية والمعارضة،
باستثناء تدخل المجموعة النيابية للحزب الاشتراكي الموحد، سيلاحظ التغير النسبي الذي مس سلوك وخطب ممثلي هذه الفرق في موضوع العتبات ومدونة الانتخابات، وهو تغير تجسد على مستوى التشكيلة الخطابية لتدخل رئيس الفريق الاشتراكي الذي ابتعد، نسبيا، عن تداول اللغة البوليميكية والصارمة والسياسوية والاستفزازية إلى تداول لغة المرونة مع الإشارة أكثر مرة استعداد حزب الاتحاد الاشتراكي قبول تعديلات أحزاب المعارضة حول المشاريع المقدمة اذا كانت مقبولة.
وفي هذا الاتجاه سارت باقي تدخلات باقي أحزاب الأغلبية الأخرى حزب الاستقلال والحركة الشعبية والأحرار التي كانت أقل وضوحا.
أما على مستوى تدخلات أحزاب المعارضة فقد عرفت هي أيضا بعض التحول حيث إنها لم تركز على عتبة 3 في المائة، ولكن على عتبة 7 في المائة المتعلقة باللائحة الوطنية، وهو ما يعني أن عتبة 3 في المائة، لم تعد تحتل أولويات مطالب بعض أحزاب المعارضة خصوصا أحزاب الحزب الوطني الديمقراطي والاتحاد الدستوري وجبهة القوى الديمقراطية وحزب التقدم والاشتراكية من الأغلبية شأنها في ذلك شأن كل الأحزاب التي تجاوزت عتبة 3 في المائة، في انتخابات سنة 2002 بقدر ما أصبح يهمها تعديل عتبة 7 في المائة، بالنسبة إلى اللائحة الوطنية لائحة النساء، وتخفيضها إلى عتبة 5 في المائة، وهي النقطة التي يلتقي فيها حزب التقدم والاشتراكية مع أحزاب المعارضة، وهذا واضح في تدخلات السيدات ميلودة حازب ونزهة الصقلي وبشرى الخياري.
وهو ما أوحت به تدخلات أحزاب المعارضة وأحزاب الأغلبية أمام لجنة الداخلية يوم الجمعة، إذ ظهر أن هذه الأحزاب بدأت تبحث عن خارطة طريق لإيجاد تخريجة مرضية لأحزاب المعارضة ولأحزاب الأغلبية حول مشاريع مدونة الانتخابات.
وهو ما يفسر المرونة التي ميزت تدخلات هذه الأحزاب أو صمت بعضها الجمعة الماضي
ومن الممكن ان أحزاب الأغلبية وأحزاب المعارضة يمكن ان تتفق على المحافظة على عتبة 3 في المائة مع إدخال بعض التعديلات خصوصا إمكانية تقليص نسبة التوقيعات بالنسبة إلى الأحزاب السياسية التي لم تحصل على عتبة 3 في المائة، والحد الأدنى لمشاركة اللوائح المرشحة محليا ووطنيا في عملية توزيع المقاعد من عتبة 7 إلى 6 أو 5 في المائة.
ومقابل مرونة سلوك وخطب رؤساء فرق أحزاب الأغلبية والمعارضة وتعبيرهم رغبتهم في إيجاد حل وسط بخصوص القانون الانتخابي لا يمس الجوهر، ولكن بعض الشكليات، نزلت الأحزاب اليسارية والأحزاب اليمينية والوسطية التي لا تتجاوز عتبة 3 في المائة في انتخابات 2002 أو لم تشارك فيها إلى الشارع للاحتجاج على ما تسميه سياسة الإقصاء والتهميش الممنهج الذي تسلكه الأغلبية، وهو ما عبرت عنه تدخلات بعض الأحزاب أمام اللجنة وخاصة تدخل محمد بنسعيد ايت ايدر من الائتلاف اليساري الذي خاطب رئيس الفريق الاشتراكي قائلا بأن ما تمارسه أحزاب الكتلة المشاركة في الحكومة اليوم هو ما كانت تمارسه وزارة الداخلية بالأمس ضد المعارضة السابقة ،موجها نداء للأحزاب الأغلبية الحالية، خصوصا الكتلة، للتراجع عن هذه الشروط الاقصائية لكونها ستعمل على إنتاج نفس الخريطة السياسية التي كانت وزارة الداخلية تصنعها سابقا ، ومضيفا بأن موقف حزب الاتحاد الاشتراكي في الحكومة الحالية سيضعفها أمام الرأي العام وذكرها بما عاشت سابقا من حيف وإقصاء ازاء تطبيق مثل هذه القوانين.
وأمام هذا التطور، فإن تقارب وجهات الأحزاب السياسية التي تجاوزت عتبة 3 في المائة في انتخابات 2002 بدأ يسير في اتجاه معاكس لتطلعات باقي الأحزاب المتضررة من العتبة 3 الواردة في مشروع القانون الانتخابي.
وهو ما دفع أحزاب الأغلبية إنتاج الخطاب المزدوج اتجاه النظام الانتخابي وهو ما يوحي أنه لم يعد أمام الأحزاب السياسية المناهضة للنظام الانتخابي الجديد إلا قبول أمر الواقع أو وانتظار نتائج الطعون لدى المجلس الدستوري أو الالتجاء إلى التحكيم الملكي، أو الدخول في تحالفات.
ونشير إلى ان الالتجاء إلى الطعن لدى المجلس الدستوري أو طلب التحكيم الملكي يطرح عدة استفهام خصوصا بعد تأكيد وزير الداخلية أمام اللجنة المختصة بمجلس النواب انه تم إعداد مشاريع النصوص السالفة الذكر تنفيذا للتعليمات السامية التي أعلن عنها جلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة افتتاح جلالته لإشغال الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة.
ومضيفا "وقد تم إعداد مشاريع النصوص المعروضة على اللجنة الموقرة من طرف الحكومة بتنسيق بين مختلف مكوناتها، وفي ظل منهجية على تفعيل مسؤولياتها وصلاحيتها في هذا المجال".
ومن هذا المنطلق اعتقد ان الأحزاب الكبرى المشكلة للأغلبية الحكومية : الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والحركة الشعبية والأحرار والتقدم والاشتراكية انها أعطت موافقتها للملك على المقتضيات المتضمنة في هذه المشاريع، وأن ما تمارسه اليوم من استعداد لقبول بعض التعديلات هو مجرد ازداوجية الخطاب.
لذلك فعلى هذه الأحزاب ان تكون واضحة وان تكف عن إنتاج الخطاب المزدوج وان تعبر بصراحة عن مواقفها، هل هي مستعدة للتشبث بمضامين هذه المشاريع ام أنها لها إرادة قبول بعض التعديلات؟
والمتأمل في براهين الأغلبية في دفاعها عن هذه المشاريع سيدرك مدى هشاشتها وضعفها لكون البلقنة ليست مسألة قانونية، بل سياسية، بالإضافة إلى أن وضع أو تعديل القوانين الانتخابية يجب ان تكون موضع توافق سياسي، خصوصا في المراحل الانتقالية
أما بالنسبة إلى براهين الأحزاب المعارضة لهذه القوانين فانها سياسوية أكثر منها سياسية نتيجة تضخيمها المفرط للموضوع، وأن تقتنع بأن ماقامت به الأحزاب المشكلة للأغلبية الحالية يندرج ضمن حقوقها العادية.
وامام تعارض مواقف الأحزاب نقول إنه يصعب وضع قانون انتخابي يرضي كل الأحزاب السياسية، لذا ينبغي إيجاد حد وسط بين قوانين انتخابية استراتيجية قصوى تسعى تأهيل المشهد الحزبي وأخرى تكتيكية تأخذ بعين الاعتبار واقع المشهد الحزبي في مرحلة الانتقال الديمقراطي.
من هنا نقول يجب ان لا ننخدع، فمهما كان طموح القوانين فانها غير كافية لوحدها ان توفر الإصلاح السياسي، وإنما تمهد له وتيسر له إنها توفر القواعد القانونية والمرجعيات المقبولة، ونظرا لأهمية هذه القوانين فيجب ألا تعبث بها لتحقيق بعض المصالح الحزبية الآنية والضيقة لان الهدف النبيل من هذه القوانين، هي ان تؤدي في النهاية إلى الاستقرار السياسي وتحصين الانتقال الديمقراطي ودعم والتعددية السياسية وتأهيل المشهد الحزبي وتقوية الهيئة الانتخابية والمشاركة السياسية الشعبية لأنها أهم مقومات العملية الانتخابية.
ان إيجاد توافق حول هذه القوانين يرتبط في عمقه بطبيعة الفعل الديمقراطي وبسؤال الديمقراطية، وان التنافس بين الأحزاب حول القوانين يجب ان يكون مبنيا على قواعد ديمقراطية يمارس فيها كل طرف حقوقه بعيدا عن منطق التوازنات الضيقة التي تحول عددا من الأحزاب إلى دائرة التهميش.
وأمام هذا الواقع فعلى أحزاب الأغلبية ان تبتعد عن الاستمرار في الخطاب المزدوج وان تعبر بكل جرأة عن مواقفها من مشروع القانون الانتخابي، وعلى الأحزاب الصغرى أن تعي أنها ستكون امام ثلاثة اختيارات إما مقاطعة الانتخابات المقبلة أو خلق اتحادات حزبية أو تبني هذه القوانين بعد سيناريو المجلس الدستوري أو التحكيم الملكي.