ربورتاج
بأجساد منهكة يتملكها الوهن يستلقي الأساتذة الباحثون حاملو الدكتوراه الفرنسية فوق أسرة إسفنجية كالجثث، بعد أن تعرفوا للمرة الأولى على الوجه القبيح للإضراب عن الطعام الذي دخل أسبوعه الثالث دون التوصل إلى صيغ نهائية لحل ملفهم المطلبي.
تفاصيل كثيرة تطالع الزائر لمقر النقابة الوطنية للتعليم العالي بالرباط، منها الحزن والخوف والصمت الذي لا يكسره سوى زعيق سيارات الإسعاف المتناوبة على نقل المضربين إلى أقسام المستعجلات بمستشفيات الرباط لتلقي الإسعافات الضرورية، بعد أن تدهورت الحالة الصحية للمضربين. دقائق قليلة داخل هذا المبنى كفيلة بإصابتك بأولى علامات الإغماء، التي لم يصل إليها المضربون، إلا بعد أيام من خوضهم معركة "الأمعاء الخاوية". الجميع يرتجف هنا، ربما بردا أو ربما بسبب الأدوية التي أرغموا على تناولها لمحاربة الوهن الذي استبد بأجسادهم.
"المغربية" زارت مقر المضربين، وتنقل الصورة عبر شهادات أساتذة باحثين، ممن اختاروا "التصعيد"، وتحدي الموت، وسيلة للفت الانتباه إلى أوضاعهم. وعندما يتراءى شبح الموت جوعا قادما، يصبح مبدأ الحق في الحياة مطلبا لأناس يعيشون وجعا أكبر هذه الأيام بالعاصمة الإدارية للمملكة.
"أبي إننا فخوران بك"، الجملة لخربشة طفولية كانت بمثابة سلاح كتابي قدمه طفلان من عائلات المضربين عن الطعام لوالدهما. محاولة للرفع من معنويات أب باتت تتحطم يوما بعد آخر فوق صخرة الجوع.
هنا فوق إسفلت مقر النقابة الوطنية للتعليم العالي بزنقة الفوارات بأكدال في الرباط، تدور معركة بدا فيها الأساتذة منخوري القوى في سعي منهم إلى تحقيق مطالبهم، وقد يظفرون ببعضها وقد يفقدون حياتهم دفاعا عن "مطالب مشروعة ومستحقة".
لم يعتقد محمد مهرير، أستاذ بجامعة ابن طفيل في القنيطرة، أن ينجم عن حركته الاحتجاجية "إرباك حقيقي وسط أسرته الصغيرة، التي لم يعد يربطه بها سوى زوجته، إذ "تزورني بشكل مستمر وتتفقد أحوالي، وعند عودتها إلى المنزل يتلقفها الأبناء والأقارب لمعرفة مستجدات حالتي الصحية".
بصوت خافت، يحكي مهرير قصته، التي انطلقت من جامعة السوربون في فرنسا، وقد تنتهي بقضية موت، إذ منذ عودتي إلى المغرب، وأنا أعيش مع زملائي مشاكل هذا الملف صباح مساء دون أن نتوصل إلى الحل الذي يبدو أنه سيأتي على حساب أرواحنا، يقول الأستاذ بجامعة ابن طفيل
وصف مهرير قرار وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، الداعي إلى اجتياز المباراة لوج إطار أستاذ التعليم العالي، بـ "القفل الصدئ"، واعتبر الإضراب، الذي يخوضه رفقة زملائه "معركة حقيقية".
وبعد أن أطلقت حنجرته تنهيدة طويلة جدا، قال: "وضعيتي الصحية متدهورة جدا، إذ نقلت مرتين لقسم المستعجلات، وأمامي مجموعة من الأدوية، ومع ذلك، قراري حاسم ولن أتراجع".
كان المشهد الأول، الذي التقطته عدسة "المغربية"، ما يشبه جثث أموات تستلقي فوق أسرة إسفنجية، بوجوه مغطاة بأقنعة طبية، وكأن وباء قاتلا فتك بهذه الأجساد.
إلا أن المضحك المبكي في هذه القصة، التي ستكون لها تفاصيل أخرى، هو أن هذه "الجثث الحية" تعود لأساتذة باحثين دخلوا لأزيد من أسبوعين في إضراب وطني عن الطعام .
رافقنا محمد محاسن، رئيس الجمعية المغربية للأساتذة الباحثين خريجي الجامعات الفرنسية، إلى غرفة تنتشر فيها سلسلة بشرية، اختير أن تتقدمها امرأتان. الغرفة معتمة جدا، كأن جدرانها مطلية بالأسود، وشعارات وراية مغربية وأخريان فلسطينيتان تعلو رؤوس المضربين.
العثور عمن يسعفه جسده الوهن ليروي لنا وضعيته الصحية منذ دخوله في هذا الإضراب، لم يكن سهلا، فالعملية غير متاحة بالنسبة إلى جميع المضربين.
التقينا سمية الصبان، أستاذة في كلية العلوم بجامعة القاضي عياض، التي خانتها يداها في البداية في الاستناد إلى وسادة تساعدها على حمل جسدها المتهالك، ولو لفترة، كي تحكي لنا قصتها.
بنظرات خاوية تعكس حرمان أمعائها، لأزيد من 16 يوما، من كل شيء إلا من الماء والدواء، لكن رغم ذلك ترفض التخلي عن معركتها، التي أشارت إلى أن جميع أفراد عائلتها، بمن فيهم أبناؤها وزوجها، يتفهمونها ويؤازرونها في تلك الخطوة.
"أنا منهكة جدا، وأحس بضعف ووهن شديدين"، كان أول ما همست به شفاه سمية، التي نقلت مرتين إلى قسم المستعجلات وعادت إلى مقر النقابة لمواصلة إضرابها لأنها "ممن يموتون حفاظا على مبادئهم"، على حد تعبيرها.
إن "كل ما نطلبه هو الإنصاف"، تقول سمية بكثير من التصميم، وهي تعرف أن محنتها أكبر، لأنها تتعرف للمرة الأولى على الوجه القبيح للإضراب عن الطعام.
ولم تقتصر حسرتها على التخرج من جامعة بيير ميركوري في باريس حاملة للدكتوراه في الجيولوجيا لتجد نفسها بعد 20 سنة تتوسد الإسفنج فوق إسفلت مقر نقابي بالرباط، بل تجاوزتها إلى ما قد يتهدد الطلبة من ضياع، إذ أنه "في حالة ما إذا طال الإضراب، فسيصعب على الأساتذة تعويضهم عما فاتهم"، تؤكد الصبان.
زيارة هذه الأمكنة غير عادية، فإما أن تكون مصحوبة بدموع الأقارب على المآل المأساوي الذي يتربص بهم، أو بصفارات سيارات الإسعاف، التي ينذر تحركها بوقوع أحدهم في حالة إغماء تستدعي نقله على وجه السرعة إلى قسم المستعجلات.
يوضح نور الدين بولويز، أستاذ بجامعة محمد الأول بوجدة، حاصل على دكتوراه في الحقوق بجامعة نانسي، "حالتنا الصحية تتدهور يوما بعد آخر، ونطلب تدخلا عاجلا من الوزير الأول لوضع حد لهذه المأساة التي طالت جدا"، وزاد قائلا "سنواصل الإضراب لأنه ورقة ضغط، وأتمنى ألا تكون ورقة موت".
يتقاسم المضربون المأساة والغرفة، إلا أن انعكاسات حركتهم الاحتجاجية على حياتهم الاجتماعية تختلف من مضرب إلى آخر، فشكيب المراكشي، الأستاذ بكلية العلوم بجامعة ابن مسيك بالدار البيضاء، الحاصل على الدكتوراه في الجيوليوجيا من المدرسة الوطنية العليا للمعادن في باريس، "شغل بال والديه وأشقائه وزوجته جراء فقدانه 12 كلغ بعد 14 يوما من الإضراب عن الطعام"، واسترسل موضحا "إنهم يستغربون في دولة الحق عدم تحرك المسؤولين لبحث ملفنا، خاصة أننا ناشدنا الوزير الأول وضع حد لهذه المأساة".
حالة الوهن والضعف التي يشكو منها المراكشي جعلته لا يقوى حتى على الذهاب إلى المرحاض، إلا أن تشبثه، بما يصفه بحقه، دفعه إلى مكابدة الجوع، واستجماع طاقته، ولملمة صوته المتهدج، ليطالب "بالحل الجذري العادل لملفهم ورفض حل الوزارة الترقيعي... فلا خيار سوى اعتماد إطار أستاذ التعليم العالي بدون إجراء المبارة".
بالأمس، اعترف وزير التعليم العالي السابق خالد عليوة بالحيف الذي طالنا، وأقر بعدالة قضيتنا أمام اجتماع للمكتب الوطني للنقابة، يوم 26 مارس 2004، فلماذا العبث اليوم، قالها المراكشي بكثير من الحسرة، وزاد "من خاض إضرابا عن الطعام لأزيد من أسبوعين، كيف ستكون حالته عند العودة إلى التدريس، خاصة أن معنوياته دمرت، هذا مع العلم أنه يضطلع بدور مهم في مسلسل الإصلاح".
وأمام تشبث المحتجين برفض أي محاولة إفراغ لا تضمن لهم حقهم في ولوج إطار أستاذ التعليم العالي دون قيد أو شرط مع احتساب أقدميتهم المكتسبة، منذ التوظيف، مع مراجعة تاريخي سريان المفعول 2002/2006، يبقى مصير أسر المضربين والطلبة معلقا إلى إشعار آخر.
يبدو أن لعبة شد الحبل بين وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي والأساتذة المضربين عن الطعام ستقع ضحيتها أطراف أخرى، ويتعلق الأمر بالطلبة، الذين يتهددهم أسدوس أبيض، في حالة استمرار التصعيد، وعدم توصل المعنيين بالأمر بحل في أقرب وقت، يحذر محمد محاسن، ويقول إن هذا اختيار الوزارة، ويتابع مضيفا لقد نبهنا منذ ثاني ماي المنصرم إلى عزمنا خوض هذه الخطوة، بيد أنه لا أحد جلس معنا إلى الطاولة للتحاور معنا حول ملفنا المطلبي، لهذا فإننا نحمل الوزارة كامل المسؤولية، مع التأكيد على استعدادنا لتعويض الطلبة عما فاتهم من دروس".
قطع حديثنا اتصال هاتفي ورد على رئيس الجمعية من جامعة شعيب الدكالي بالجديدة، علمنا من فحواه أن مكتبها الجهوي للنقابة الوطنية للتعليم العالي قرر خوض إضراب مفتوح، وتجميد كل الهياكل التعليمية حتى حل هذا الملف.
كان الخبر سارا للجمعية، بيد أنه لم يمح علامات الغضب والوهن، التي تعلو ملامح وجه محاسن، الذي أطلق العنان للحيته، وحجب عينيه بنظارة شمسية تزيد من عتمة وسواد ما يحيط به.
يشرح محاسن ما وقع ويقع قبل وبعد أزيد من أسبوعين من الإضراب "طالبنا الوزارة بالتعجيل بطرح حل منسجم يضمن الحد الأدنى لحقوقنا المشروعة، لكن فوجئنا ببلاغ للوزارة تبين من خلاله موقفها ومقترحها، ولقد أصدرنا جوابا عنه في بيان استنكاري أظهرنا فيه أننا كنا على علم بما سيحمله البلاغ المتجاوز، وأن المقترح الذي يتضمنه كان السبب الذي دفعنا إلى خوض هذه الخطوة النضالية التي نريدها أن تكون حاسمة.
وقال إن "جواب الوزارة يؤكد موقفها المتعنت ويبين إصرارها على سياسة الحلول الترقيعية التي لا تحل المشاكل بل تعمل على تعميقها، مبرزا أن المقترح يرتكز على تخويل إطار أستاذ مؤهل ابتداء من سنة 2002 مع السماح لحاملي الدكتوراه الفرنسية المعينين قبل سنة 1997 بإجراء مبارة لولوج إطار أستاذ التعليم العالي خلال سنة 2006".
ويتجلى الاعتراض الأساس على هذا المقترح، حسب رئيس الجمعية، في شرط المباراة، لأنه لا وجود له في نظام 1975، الذي وظفوا بموجبه، وأن هذا القرار يعد خروجا عن النظام الذي ينص على ضرورة المرور مباشرة إلى إطار أستاذ التعليم العالي بعد 4 سنوات من الأقدمية في إطار أستاذ محاضر، مشيرا إلى أن موقف الوزارة يظهر سعيها إلى عدم إنصاف هؤلاء الأساتذة من الناحية المادية، لأنه في حالة ما إذا جرت تسوية وضعيتهم، فسيكون الأمر مرتبطا بتقليص الغلاف المالي المخصص للعملية من خلال تواريخ سريان المفعول المتضمنة في مقترحها 2002 أستاذ مؤهل و2006 أستاذ مباراة لولوج إطار أستاذ التعليم العالي.
وفيما اعتبر أن المال ليس وازع الأساتذة المضربين، وأن الأمر يتعلق بالجانب المعنوي والعلمي، عاد ليؤكد أن الجميع متشبث بموقفه بضرورة سحب شرط المباراة، ويشكل هذا الموقف مخرجا تركناه للوزارة حتى تستغله، إلا إذا كانت مصرة على موقفها.
وأضاف قائلا "في وزارة وحكومة تحترمان نفسيهما، فإن التصحيح الجاد لهذه الوضعية ينبغي أن ينبثق من تخويل معادلة الشهادة أولا، وهذا لم يحدث لحد الآن، الشيء الذي سيمكن من تخويل إطار أستاذ محاضر بعد أربع سنوات أستاذ التعليم العالي".
هناك إكراهات معينة، يوضح محاسن "نأخذها بعين الاعتبار، وعلى هذا الأساس نحن نصر على الحد الأدنى الذي هو إطار أستاذ التعليم العالي دون قيد أو شرط، وأظن أن هذا ليس بعزيز على حكومة تعرف ما يقدمه هؤلاء الأساتذة الباحثون من تضحيات في الجامعات المغربية حتى ترقى إلى مستوى مثيلاتها في الدول المتقدمة"، وزاد مفسرا
لقد لجأنا إلى الوزير الأول أزيد من أربع مرات، وهو مطالب بوضع حد لهذه المأساة".
وبخصوص ما توصلت إليه الوزارة مع النقابة الوطنية للتعليم العالي، دعا رئيس الجمعية المكتب الوطني إلى احترام قرارات المؤتمرات الوطنية، باعتبارها أعلى هيئة تقريرية، مؤكدا أن "المكتب ليس له الحق في تبني أي حل لا يضمن الحد الأدنى لتلك المطالب".
وذكر بأن "المكتب ليس له الحق في القبول بما جاء في البلاغ، ولن نقبل أن يفرض علينا هذا الحل المقترح، رغم أنه جاء باتفاق بين الوزارة والنقابة".