المرحوم سي احماد أولحاج، قد لايعرفه الكثير من الناس في هذا الزمن...فقد أصيب معظم الناس في أيامنا هذه بـ "فيروس النسيان، كما أصيب آخرون بـ "فيروس" السيدا. المرحوم احماد أولحاج، عاش بيننا إلى ما بعد منتصف الثمانينات كرجل أعمال يقام له ويقعد، وكزعيم حزب سياس
كان المرحوم أحد أطر وأعضاء حزب الاستقلال بسوس منذ عهد الحماية إلى ما بعد إلى الانشقاق سنة 1959، وكان المسؤول الأول عن فروع حزب الاستقلال في المنطقة الجنوبية، وهو الذي كان يشرف على جمع الانخراطات والمساعدات المالية والعينية لفائدة الحركة الوطنية.
تعرفت على سي احماد في منتصف السبعينات بعد تأسيس الحزب الحر التقدمي في الدارالبيضاء، ورافقته فترة من الزمن في المسيرة الخضراء التي شارك فيها كغيره من المغاربة بالفعل والدعم المادي والتأييد السياسي والإيمان المطلق.
وشارك سي احماد أولحاج بحماس كبير وصدق في لقاءين وطنيين للشباب الصحراوي، الأول سنة 1975 في مدينة أكادير، والثاني سنة 1979 في مدينة طنجة، حيث انعقد أول وآخر مؤتمر للشباب الصحراوي بعد استرجاع إقليم وادي الذهب.
وألقى المرحوم أمام الشباب الصحراوي في المناسبتين كلمات اتسمت بالحكمة والوطنية والالتزام الوطني الصادق.
وكان رحمه الله يطالب في ذلك الوقت بوضع جميع الطاقات الوطنية للبلاد في مواجهة الأطماع والاستفزازات الجزائرية اللامشروعة ضد بلادن.
ا
وبحكم انتمائه لمنطقة سوس، فقد كانت تربطه روابط راسخة بالعديد من شيوخ الصحراء ورجالها وأفراد قبائلها.
بدأ المرحوم سي احماد حياته تاجرا بالتقسيط في منطقة سوس، والتحق منذ شبابه بصفوف حزب الاستقلال وتولى التنسيق والإشراف على الخلايا السرية في تلك المنطقة
التحق بالدارالبيضاء ليواصل عمله في ميدان التجارة، وتمكن بفضل عصاميته وجديته وطموحه من تأسيس شركة البترول إفريقيا، وحقق النجاح الباهر .
منذ أن ظهرت شركة إفريقيا تمكن سي احماد من توفير الشغل للعديد من العمال سكان الأحياء الشعبية في سيدي مومن وزارابا والحي المحمدي وعين السبع والصخور السوداء
وكان بمثابة الأب الروحي للضعفاء والكادحين من عمال شركته التي فتحها أمام الأطر والكفاءات الشابة من الخريجين من مختلف الجامعات، حيث كانوا يشتغلون تحت إدارته وتوجيهاته ونجاحاته.
كان سي احماد أولحاج مواطنا سوسيا لم يتخرج من جامعة ولم يكمل دراساته، بل كان الى حد ضعيف يقرأ بعد آيات القرآن الكريم ويحاول كسب معارف جديدة بفضل جهده وعصاميته ومن كان حوله من أصدقاء وشباب.
ولكنه كان معجزة حقيقية في مجال العمل والتجارة والتسيير وإدارة المؤسسة التي صنعها ووفر لها النجاح.
لكن سر نجاحه يكمن في إخلاصه للعمل وفي إيمانه بالله، واعتماده على تجاربه في الحياة، وعلى المحيطين به من الأطر والعمال والإداريين الذين وجدوا فيه المرشد والقائد والمساعد على تجاوز كل العقبات والحواجز .
بعد حصول المغرب على الاستقلال الوطني، اختار المرحوم احماد أولحاج الابتعاد عن الأحزاب السياسية القائمة في ذلك الوقت، بعدما ظهرت الخلافات بين القادة والزعماء، والانشقاقات والتصفيات التي ذهب ضحيتها العديد من المواطنين الذين كان احماد أولحاج يعرف الكثير منهم ويعرف إخلاصهم للوطن ورفضهم للإقصاء والعنصرية والتهميش.
ظل سي احماد مرتبطا باهتمامات الناس وشؤون البلاد ومسيرتها السياسية والاقتصادية، وكان يلاحظ بعين الخبير البطء في عملية التنمية خاصة في المناطق الجنوبية.
واستجابة لرغبة العديد من أصدقائه ومن يثق فيهم وفي وطنيتهم، لم يتحمل الصمت أو الانزواء أو تجاهل ما تعرفه البلاد من تطور وصعوبات، فقرر بكل مسؤولية تأسيس الحزب الحر التقدمي الذي كان يقول عنه إنه حزب بعيد عن الإقصاء أو التطرف والمزايدات والعنصرية، إنه حزب في نظر سي احماد يتطلع إلى المشاركة الفعلية والفاعلة في عملية التنمية والتأطير والتوعية والدفاع عن مقدسات البلاد ووحدتها.
وكان رحمه الله يريد فتح كل الأبواب أمام الشباب والفئات والطبقات الشعبية والأطر الصاعدة لتتاح للجميع الفرص المتساوية والعدالة الاجتماعية والإدلاء بالرأي الحر والقول النزيه.
وقد اختار لحزبه شعار »الحر التقدمي« الذي يحيل على حرية الرأي والتعبير وحرية الانتماء، ويحيل كذلك على اختيار الخط التقدمي مقابل الخط الرجعي الذي كان يعتبره احماد أولحاج السبب في الإقصاء والتهميش والتأخر الذي أصاب الأفراد والجهات.
وكان سي احماد بحكم تجربته وخبرته في الحياة يؤمن إيمانا مطلقا بضرورة التركيز على تكوين الأطر ونشر التعليم ودعم الأجيال الصاعدة وعمل على الاهتمام بالطلبة ودعمهم لمواصلة دراساتهم في أرقى الجامعات، وأعطى المثل بنفسه حيث كان يفتخر بأنه يرعى ويدعم الطلبة من مختلف النواحي بمن في ذلك أبناؤه لمواصلة الدراسة.
وكان رحمه الله يستقطب خبرة الشباب للعمل إلى جانبه في مجال الأعمال التي كانت تتطلب العلم والدراية والحنكة والكفاءة، فلم تكن شركته عملا عاديا خاصة في مجال البترول الذي كان في سنوات السبعينات ثورة حقيقية في ميدان التجارة والاقتصاد.
لم يفرض احماد أولحاج على عماله وموظفيه والمقربين منه الانتماء لحزبه، بل كان يؤمن بأن العمل السياسي والحزبي يجب أن يعتمد على القناعة وحرية الناس في الاختيار والانتماء، ولذلك لم تعرف شركته في عهده مشاكل لا مع النقابات ولا مع الأحزاب.
وكان الحزب الحر التقدمي محدود الانتشار، ولكنه كان يعتمد على قاعدة راسخة من المؤمنين بأفكاره وطروحاته وبرامجه التي كانت جريدة العدالة تبرزها في مختلف المناسبات.