المعاني الإنسانية في خطاب الملك محمد السادس

الخميس 07 غشت 2014 - 08:55
15113

كان خطاب الملك محمد السادس بمناسبة توليه عرش أسلافه الميامين عامراً بالحب والمشاعر النبيلة التي يحملها جلالته لشعبه الوفي والمخلص، فقد لامس هذا الخطاب الواقع المعيشي لكل مواطن وبما يجسد استراتيجية التطوير التي أطلقها منذ اعتلائه العرش في 30 يوليوز عام 199

لكن وخلافاً لكل ما سبق فقد كان الخطاب هذه السنة مؤسساً يكرس المصالحة بين التفكير والتنفيذ، إذ تطرق صاحب الجلالة إلى مواضيع مهمة استهلها جلالته بالقول بأن هذه الذكرى ليست مناسبة لاستعراض ما تحقق من منجزات أكثر مما هي مناسبة للنظر في المنجزات التي كان لها التأثير المباشر على المواطنين، لأن جلالته أثناء زياراته التفقدية لبعض المناطق لاحظ بأنه ما تزال هناك مظاهر الفقر والهشاشة.

وتساءل جلالته "أين هي ثروة المغرب؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها أهملت بعض الفئات فقط"، وأضاف أن "الجواب على هذه الأسئلة لا يتطلب تحليلا عميقا، إذا كان المغرب قد عرف تطورا ملموسا، فإن الواقع يؤكد أن هذه الثروة لا يستفيد منها جميع المواطنين. ذلك أنني ألاحظ، خلال جولاتي التفقدية، بعض مظاهر الفقر والهشاشة، وحدة الفوارق الاجتماعية بين المغاربة". وقال "من هنا، وللوقوف على حقيقة الوضع، نوجه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بتعاون مع بنك المغرب، ومع المؤسسات الوطنية المعنية، وبتنسيق مع المؤسسات الدولية المختصة، للقيام بدراسة، لقياس القيمة الإجمالية للمغرب، ما بين 1999 ونهاية 2013".

وقال جلالته، إن الهدف من هذه الدراسة ليس "إبراز قيمة الرأسمال غير المادي لبلادنا، وإنما لضرورة اعتماده كمعيار أساس خلال وضع السياسات العمومية، وذلك لتعميم استفادة جميع المغاربة من ثروات وطنهم". وأضاف "حتى لا يبقى التقرير الختامي لهذه الدراسة حبرا على ورق، أو مادة للاستهلاك الإعلامي فقط، فقد قررنا أن يتم نشره على أوسع نطاق، داعين الحكومة والبرلمان، وكل المؤسسات المعنية، والقوى الحية للأمة للانكباب على دراسة التوصيات البناءة التي يتضمنها، والعمل على تفعيلها".

والدعوة التي وجهها جلالة الملك لإجراء دراسة لقياس القيمة الإجمالية للمغرب بين عامي 1999 و2013، كانت بهدف تحليل الإنجازات التي تحققت في السنوات الـ15 الماضية وقياس أثر هذه الانجازات على المستوى الاجتماعي والبشري والاقتصادي، ومن ثمة تقييم النتائج لمعرفة أماكن القوة والقصور في وزارات ومؤسسات وهيئات الدولة المغربية. ودون شك، فقد حققت المملكة المغربية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية إنجازات كبيرة لعل أهمها هو توسيع قواعد المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار وإفساح المجال أمام ركائز المجتمع المدني للظهور والعمل دون أي مساءلة، وقد كان لذلك الأثر الأكبر في تجنيب المغرب مآسي الفوضى التي ضربت أكثر من بلد عربي ومغاربي.

كما أن الحكومة نجحت عبر برامج التنمية الطويلة الأمد في مكافحة الفقر والاقصاء الاجتماعي، وفي في هذا الصدد، فقد هنأت بأن منظمة الأغذية والزراعة (فاو) المغرب لبلوغه للسنة الثانية على التوالي أهداف الألفية على مستوى مكافحة الفقر.

كما أشادت بالتقدم المسجل من قبل المملكة في هذا المجال، كما تعد استراتيجية التوجه نحو الجنوب التي أطلقها الملك محمد السادس وسارت عليها الدولة المغربية، أحد أهم الإنجازات التي تحققت، فهذه الاستراتيجية أثبتت أنها قادرة على إيجاد فضاء اجتماعي اقتصادي على مستوى القارة الأفريقية يحاكي الفضاء الاجتماعي الاقتصادي في أوروبا، فمن خلال الزيارات الكثيرة والمتوالية التي قام بها صاحب الجلالة للعديد من الدول الإفريقية، مثل السنغال، ومالي، والغابون، وساحل العاج، فقد تم إرساء الأسس المناسبة لعلاقات اقتصادية طويلة الأجل بين المغرب وهذه الدول وطبعاً، سوف يكون ذلك نواة لدائرة أوسع ستشمل دولاً أخرى في إفريقيا.

وبما يشكل بديلاً حضارياً للاتحاد الإفريقي الذي ثبت فشله في تحقيق الأهداف الموضوعة على صعيد التعاون والتنمية بين دول القارة. فقد عجز هذا الاتحاد عن طرح نفسه ممثلاً لأحلام الشعوب في إفريقيا، وكان فشله واضحاً من خلال إقحام نفسه في قضايا سياسية لا تساهم في رفع كفاءته وإنجازه لمهامه، بل إنها تزيد من حدة الخلافات بين مكوناته.

ورغم أن هذا الاتحاد ما يزال يعلن حضوره من خلال عقد الاجتماعات السنوية، لكنه في حقيقة الأمر جثة هامدة لا حياة فيها، وبالعكس من ذلك، فإن العلاقات الناشئة بين المملكة المغربية ودول قارة إفريقيا هي علاقات تكاملية مبنية على أسس التخطيط الشامل للتنمية، فقد عقد المغرب عشرات المعاهدات والاتفاقيات مع هذه الدول الإفريقية وفي مختلف المجالات وخصوصاً في مجال التنمية الاقتصادية والإدارية وبرمجة المعلومات والتقنية المتطورة.

ومع النمو المتواصل لهذه العلاقات، فإن المغرب سيتحول إلى مركز ثقل في قارة إفريقيا ليعود كما كان في السابق مركز إشعاع علمي وحضاري لكل الشعوب الإفريقية. إن ما تحقق في عهد الملك محمد السادس من إنجازات هو أمر يدعو إلى التفاؤل بمستقبل زاهر للشعب المغربي وللشعوب العربية أيضاً.

* كاتب من الإمارات
[email protected]