المغرب ومالي علاقات صنعها التاريخ المشترك

الإثنين 24 فبراير 2014 - 07:35
2741

للمغرب أواصر وصلات وثيقة وقديمة مع جمهورية مالي، فالحضارة الإسلامية جمعت بين البلدين، وكانت مدينة "تمبكتو" المالية واسطة العقد في ذلك البناء الفكري ومنظومة الآداب والأخلاق، التي نشأت في عموم المغرب

ففي هذه المدينة العريقة، حط علماء كثيرون، فمنهم من جاء من المشرق قاصداً نشر العلم في المغرب، ومنهم من جاء من المغرب قاصداً الحج وعمارة البيت الحرام في المشرق، ولايزال لهذه المدينة حضور كبير في ذاكرة المغاربة وفي الذاكرة الجمعية لأبناء أمة الإسلام. وبحكم الجامعة الفكرية والعقدية التي تجمع بين الشعبين في مالي والمغرب، فقد كان من الضروري أن تلتقي إرادة البلدين لما فيه الخير لهما وللشعوب الإسلامية بشكل عام.

ورغم الجراح التي أصابت مالي من جراء موجة الإرهاب التكفيري، التي عصفت بها في العام الماضي، لكنها استطاعت بإرادة شعبها وبمساعدة الحلفاء المخلصين لها كالمملكة المغربية، أن تعبر هذه المحنة وأن تصنع عقداً اجتماعياً سياسياً جديداً تم تتويجه بانتخاب رئيس جديد للبلاد هو إبراهيم بوباكر كيتا، ومن أجل مشاركة الشعب المالي في أفراحه، فقد قام العاهل المغربي بزيارة إلى باماكو يوم 19/9/2013، وأشاد الرئيس المالي الجديد إبراهيم بوباكار كيتا بمواقف صاحب الجلالة الملك محمد السادس وخاصة في جانبها الإنساني. وأعرب الرئيس المالي، في خطاب ألقاه يوم 20/9/2013 بباماكو خلال الحفل الرسمي لتنصيبه، الذي حضره حوالي عشرين رئيس دولة وحكومة، عن شكره العميق لجلالة الملك الذي شكل حضوره هذا الحفل "شرفاً كبيراً للشعب المالي".

وقال الرئيس المالي الجديد "إن حضوركم اليوم، يا صاحب الجلالة، ليعد، بالتأكيد، عربون تقدير وصداقة سنظل ممتنين لكم عليها إلى الأبد". وأبرز الرئيس المنتخب الروابط التي جمعت على الدوام المغرب ومالي، تلك الروابط التي نُسجِت خيوطها عبر القرون وأرسى أسسها أحمد بابار السوداني وعدد من ألمع الفقهاء والعلماء، معربا عن ترحيبه بجلالة الملك بمالي "البلد الذي هو ليس بالغريب على جلالتكم".

وقد كانت سياسة المغرب الهادئة ورؤاه الاستراتيجية صمام أمان وحصناً واقياً لعموم شعوب أفريقيا، فالمشكلات الكبيرة التي تعترض حياة هذه الشعوب لا يمكن التغلب عليها إلا بمنطق العمل الجماعي وتقديم المساعدات والمشاركة في تحقيق الأمن والتنمية، وهذه كانت سياسة المغرب دائماً تجاه أشقائه في القارة، وتأتي العلاقة مع مالي كنموذج في هذا الخصوص، فالمغرب ومالي تربطهما علاقات واقعية ومتينة، ويتميز الشعبان المغربي والمالي بالاعتدال وتشبثهما بقيم التقدم والسلام والتعايش التي يحث عليها الإسلام ويوجدان في موقع يسمح لهما بالنهوض بهذه القيم من أجل الحد من تنامي الحركات المتطرفة التي باتت تغزو العالم الإسلامي، ولاسيما في الجزء الغربي منه.

وكان المغرب وبتوجيهات كريمة من جلالة الملك محمد السادس قد قدم مساعدة إنسانية للشعب المالي أثناء أزمته، فأعطى المثال في ذلك على حسن الأخوة وعلاقات الجوار. وعلاقة المغرب القوية مع مالي تأتي من منطلق الوعي المغربي بضرورة الشراكة جنوب- جنوب، فقد واصلت المملكة، منذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، سياستها الإرادية الرامية إلى تمتين علاقاتها مع مختلف الدول في آسيا وإفريقيا ولاسيما مع جمهورية مالي المجاورة من خلال مواكبة مختلف برامج التنمية والاستراتيجيات القطاعية مع هذه الدولة التي لا تزال تهيمن على اقتصادها القطاعات الأولية. وقد وقع المغرب في هذا الإطار، في عام 2000، بروتوكول اتفاق للتعاون مع مالي في مجالات التشغيل والعمل والتكوين المهني. وبموجب هذه الاتفاقية، اتفق البلدان على تبادل التجارب والدراسات والزيارات التي تهم سياسات التشغيل وتدبير معدات العمل. وفي عام 2001 جرى التوقيع على اتفاقية ثانية للتعاون بين الدولتين في مجالات الشباب والرياضة والطفولة والمرأة وتكوين الأطر، من أجل الحد من وضعيات الهشاشة في مالي التي تعصف بها أزمة ثلاثية غذائية وسياسية وأمنية.

وفي سياق مواصلة دعمها لهذه الدولة، وقعت المملكة عام 2003 بمراكش على بروتوكول تعاون مع مالي في مجالات تحديث الإدارة البلدية، وحماية البيئة، والنهوض بالسياسات الاجتماعية بين الجماعة الحضرية لمدينة مراكش ومدينة تمبكتو المالية. ومن بين أهداف الاتفاقية، أيضا، النهوض بالمبادلات الثقافية والتنمية الاقتصادية بين المدينتين والنهوض بقطاع الصناعة التقليدية. وبموجب بروتوكول التعاون هذا، التزم الطرفان بإغناء هذه الاتفاقية ببروتوكولات تعاون أخرى تهم، على الخصوص، المجالات السياحية والزراعية.

وبعد سنتين من ذلك، وقعت المملكة، في فبراير 2005، على عدة اتفاقيات تعاون وشراكة بين المجلس الجهوي للرباط- سلا- زمور- زعير والجمعية الجهوية لتمبكتو وجهات أخرى في المغرب. وتهدف الاتفاقية الأولى المبرمة إلى تقوية التعاون الثنائي عبر تشجيع إحداث مشاريع تتعلق أساسا بمجالات التنمية الاقتصادية وإحداث المقاولات والتكوين المهني والتكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال . وتسعى الاتفاقية الثانية بدورها إلى النهوض بالتعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين الجانبين اللذين التزما بتقوية الروابط التاريخية التي تجمع بينهما.

وجرى إنجاز عدة مشاريع استثمارية مشتركة بموجب هذه الاتفاقية الممتدة لثلاث سنوات قابلة للتجديد بتمديد ضمني. كما جرى التوقيع على مذكرة تفاهم وتعاون مع مالي في عام 2007، تهدف إلى تطوير أعمال التعاون بين البلدين في مجال الطاقة. وتشمل مجالات التعاون التي تغطيها هاتان الاتفاقيتان، الإنتاج والنقل وتوزيع المحروقات والطاقة الكهربائية وتطوير الطاقات المتجددة، والتحكم في الطاقة والتكوين في مجال الطاقة. ويضع المغرب باستمرار مالي في محور تدخلاته على الصعيد الإفريقي لصالح تعاون ثنائي متميز، يضمن استمرارية العلاقات التجارية والاقتصادية بين الجانبين وبما يخدم المصالح المشتركة لهما. إن المغرب، وبحكمة قيادته، سيكون الجامع الحقيقي لشعوب إفريقيا وبما يسهم في تحقيق تنمية مستدامة ورفاه عام لكل هذه الشعوب التي لا تزال تعيش، وللأسف، تحت وطأة الممارسات الغريبة اللاإنسانية والتي تزيد من الفقر والجهل والتخلف بين تلك الشعوب.

*كاتب من الإمارات
[email protected]




تابعونا على فيسبوك