الاتحاد المغاربي وآفاق المستقبل

الإثنين 17 فبراير 2014 - 08:42
3187

السعي الحثيث لتحقيق الوحدة أجهضته الجزائر عبر احتضانها لمنظمة البوليساريو الإرهابية التي تعمل على تمزيق الوحدة الترابية للمملكة المغربية وإنشاء ما يسمى "الجمهورية الصحراوية".

وقد حاول المغرب الترفع على الجراح والاستمرار في العمل المغاربي المشترك

إذا كانت الجزائر جادة في التقارب مع المغرب وتحقيق الحلم المغاربي الواحد فعليها الإقلاع عن دعم البوليساريو والعمل على دعم الحل المغربي لقضية الصحراء

كانت أحلام الشعوب العربية في شمال إفريقيا، في مطلع القرن العشرين، تتجه نحو التحرر والخلاص من الاستعمار الأوروبي البغيض الذي كان يجثم على أرضها، ومن ثم تحقيق الوحدة الجامعة بينها بسبب التماثل في العادات والتقاليد واللغة والدين والتاريخ المشترك الواحد.

وقد نص البيان الأول لجبهة التحرير الجزائرية الذي صدر في الفاتح من نوفمبر عام 1954، في بند الأهداف الخارجية للثورة على، تحقيق وحدة شمال أفريقيا في إطارها الطبيعي العربي والإسلامي.

وبعد استقلال دول المغرب الخمس الواحدة تلو الأخرى، اتجهت الحكومات الوطنية فيها نحو العمل المشترك وتحقيق التكامل السياسي والاقتصادي والبشري في ما بينها، وكانت المملكة المغربية من أكثر دول المغرب العربي سعياً نحو التقارب والتعاون المشترك، بسبب الرؤية الاستراتيجية للملك الراحل الحسن الثاني الذي كان يريد أن تتحول شعوب المغرب العربي والشعوب العربية كلها إلى وحدة واحدة وبما يسهم في رفع شأن الأمة بين الأمم والشعوب الأخرى، ولذلك كان المغرب من أول الدول استجابة لنداءات التقارب المغاربي، وهذا ما أكده مؤتمر الأحزاب المغاربية الذي انعقد في مدينة طنجة المغربية بتاريخ 28-30/4/1958 وضم ممثلين عن حزب الاستقلال المغربي والحزب الدستوري التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية. ومن هذا المؤتمر ظهرت فكرة الاتحاد المغاربي، وبدأ التقارب الحقيقي الذي ترجم عام 1964 من خلال إنشاء اللجنة الاستشارية للمغرب العربي لتنشيط الروابط الاقتصادية، والتي بدأت نشاطها للتقريب بين اقتصاديات الدول المغاربية الخمس.

ومن ثم وبمبادرة من المملكة المغربية فقد اجتمع قادة الدول المغاربية الخمس في 17/2/1989 بمدينة مراكش المغربية وأعلنوا عن قيام الاتحاد المغاربي. وأوضح بيان قيام الاتحاد إلى أنه يهدف إلى فتح الحدود بين الدول الخمس، لمنح حرية التنقل الكاملة للأفراد والسلع، والتنسيق الأمني، وانتهاج سياسة مشتركة في مختلف الميادين، والعمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال في ما بين.

وتمتين أواصر الاخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها بعضها ببعض وتحقيق تقدم ورفاهية مجتمعاتها والدفاع عن حقوقها؛ لكن السعي الحثيث لتحقيق الوحدة أجهضته الجزائر عبر احتضانها لمنظمة البوليساريو الإرهابية التي تعمل على تمزيق الوحدة الترابية للمملكة المغربية وإنشاء ما يسمى "الجمهورية الصحراوية".

وقد حاول المغرب الترفع على الجراح والاستمرار في العمل المغاربي المشترك، لكن ازدياد تدخل الجزائر في الشأن الداخلي المغربي أدى إلى إغلاق الحدود المشتركة عام 1994، ومنذ ذلك التاريخ لا تزال الحدود مغلقة، وقد تسبب ذلك في إعاقة العمل المغاربي المشترك. طبعاً، لم تكن المملكة المغربية راغبة في تعطيل الوحدة المغاربية، لكن لقد ثبت بالدليل، أنه قبل المضي في أي اتحاد، يجب حل المشاكل الخلافية بين الدول، فمثلاً عندما بدأ التقارب الفرنسي الألماني بعد الحرب العالمية الثانية عام 1947، كانت الألزاس واللورين إحدى أهم العقبات التي واجهت هاتين الدولتين العدوتين خلال تلك الحرب، لكن إرادة التقارب بينهما دفعتهما إلى التفكير في اعتبار الالزاس واللورين منطقتي تعاون وتنمية مشتركة بينهما، وبهذه الطريقة تم تذليل أهم العقبات مما سمح بولادة السوق الأوروبية المشتركة وفق معاهدة روما عام 1957 ومن ثم قيام الاتحاد الأوروبي وفق معاهدة ماسترخت عام 1992.

إن إرادة العمل الجماعي يجب أن تنتصر على أية إرادة أخرى، وإذا كانت الجزائر جادة في التقارب مع المغرب وتحقيق الحلم المغاربي الواحد فعليها الإقلاع عن دعم البوليساريو والعمل على دعم الحل المغربي لقضية الصحراء، هذا الحل الذي يحقق الاستقرار المنشود لدول المغرب العربي بشكل عام.

ويبدو أن المشروع المغاربي قد دخل في نفق مظلم، وخصوصاً بعد تلك الأحداث المأساوية التي عصفت ببعض الدول العربية وأدت إلى إسقاط نظامين في بلاد المغرب العربي هما، النظام في تونس، والنظام في ليبيا.

وما أعقب ذلك من ظهور للتيارات الإسلامية المتطرفة التي لا تؤمن إلا بمشروع "دولة الخلافة" وتعمل على تحطيم كل الدول الوطنية في المغرب والعالم العربيين، وبناء إمارات إسلامية مكانها. إن انبعاث التطرف وغياب الرؤية المستقبلية الواضحة بين دول المغرب العربي، قد أعاد المشروع المغاربي خطوات كثيرة إلى الوراء. وربما قد يكون هذا المشروع قد انتهى بصيغته الحالية، ولم يعد قادراً على الاستمرار بعد الآن.

*كاتب من الإمارات
[email protected]