تسونامي ودروسها / عبدالله المدني

الأربعاء 18 يناير 2006 - 14:50

في الذكرى الأولى لكارثة المد البحري التي ضربت 12 دولة آسيوية في المحيط الهندي في ديسمبر من عام 2004 وخلفت وراءها نحو 290 ألف قتيل، إضافة إلى مليوني مشرد وخسائر اقتصادية بمليارات الدولارات، لا بد من وقفة لاستطلاع ما حدث خلال الأشهر الاثنى عشر الماضية، على

نعم، لقد تجاوب العالم مع المأساة سريعا، وبادر إلى التعهد بمساعدات عاجلة بلغت قيمتها الإجمالية نحو عشرة مليارات ونصف المليار دولار، منها سبعة مليارات وصلت بالفعل إلى الدول المتضررة، وذلك طبقا لمصادر الأمم المتحدة، وهذا بطبيعة الحال كان موقفا غير مسبوق وعكس نهجا إنسانيا جديدا في كيفية التعامل مع تلك الحالات_ غير أنه على الرغم من هذا الكرم، لا تزال مسارح الكارثة تشكو من بطء عمليات إعادة التعمير التي يقال إنها لم تنجز حتى اليوم سوى ما نسبته 30 بالمائة مما دمر، فيما الناجون يروون قصصا وحكايات مختلفة عن أوجه القصور التي لازمت أعمال الإغاثة والتعويض والتأهيل.

ولا ينفي المشرفون على جهود الإغاثة تهم التقصير، إلا أنهم يعزونها إلى عوامل خارجة عن إرادتهم، أحد أهم هذه العوامل عدم وجود خبرة دولية سابقة في كيفية التعاطي مع كارثة ضخمة ضربت في آن واحد عدة دول على امتداد جغرافي واسع، ولعل ما زاد من أثر هذا العامل على جهود الإغاثة أن الأقطار المنكوبة هي من بين الدول الأكثر ازدحاما بالسكان في العالم، ناهيك عن طبيعة تضاريسها المعقدة وما يكتنف بنيتها التحتية وإمكانياتها اللوجستية من ضعف يعيق توزيع المساعدات بالسرعة والكفاءة المطلوبتين، كل هذا.

إضافة إلى غياب المعلومات الدقيقة، وانتشار مظاهر الفساد الإداري في بعض هذه الدول، ووجود حساسية أمنية ذات صلة بحركات تمرد داخلية في بعض المناطق مثل إقليم آتشيه الأندونيسي وشبه جزيرة جفنا السريلانكية، تسبب في سوء إدارة وتوزيع المساعدات الخارجية وتباطؤ جهود إعادة التعمير، وكانت النتيجة أن آلافا من الأسر التي لم تتأثر كثيرا بالكارثة حصلت على أضعاف ما حصلت عليه الأسر الأكثر تضررا من مساعدات كما حدث في سريلانكا.

وبالتزامن مع هذه التعقيدات، تبدو عودة السياحة التي تعتبر مصدر دخل مباشر أو غير مباشر للآلاف من الأسر في أندونيسيا وتايلاند وجزر المالديف وغيرها، إلى سابق عهدها أملا بعيد المنال، إذ لا يزال الرعب الذي خلفته الكارثة والمآسي التي اطلع عليها العالم عبر شاشات التلفزة يقف حائلا دون عودة الازدهار إلى الصناعة السياحية، رغم جهود حكومات الدول المعنية في دعم هذه الصناعة والترويج لها في الخارج وحملاتها المكثفة من أجل بعث الطمأنينة في نفوس السياح الأجانب، ولعل أفضل دليل هو أن منتجع بوكيت السياحي الذي يعتبر الأشهر في تايلاند والأكثر جذبا للسياح، لم يتمكن حتى الآن إلا من استعادة نصف عدد مرتاديه، ومهما يكن الأمر، فإن تسونامي 2004 بطبيعته غير المسبوقه أفرز عدة دروس.
وكان بمثابة تدريب ميداني نادر للمجتمع الدولي على كيفية التعاطي مع تبعات الكوارث الطبيعية الضخمة في عدة أماكن بالتزامن، ولعل أول الدروس المستفادة هو ضرورة المسارعة إلى تأسيس خط دفاع إقليمي أول في مواجهة مثل هذه الكوارث عبر تبني إنشاء مراصد متطورة وعالية الكفاءة للإنذار المبكر في آسيا، والدرس الآخر هو ضرورة وضع أسس ومناهج واضحة للتعاون والتنسيق المحكمين بين وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية والمؤسسات المدنية والعسكرية المعنية على المستوى القطري، وذلك من أجل تفادي التخبط والبطء والتعقيدات السيادية في عملية إيصال المساعدات إلى المنكوبين.

وفي هذا السياق برز اقتراح حول الحاجة إلى استثمار 10 بالمئة على الأقل من أموال المساعدات الإنسانية في إقامة وسائل واستحداث ترتيبات للتقليل من آثار الزلازل البحرية وما يتبعها من موجات المد البحري، من هذه الترتيبات إطلاق برامج تستهدف توعية السكان وتثقيفهم وتدريبهم على كيفية التصرف في مثل تلك الحالات، ودفع مناطق الاستيطان والمشروعات التجارية والتنموية بعيدا عن السواحل بغية إنشاء مناطق عازلة، وإقامة استحكامات عالية على الشواطىء الأكثر عرضة للكوارث كي تتكسر عليها أمواج المد.
ومما لاشك فيه أن هذه الترتيبات مبررة بل باتت ملحة في ظل الحديث عن احتمال تعرض آسيا في المستقبل إلى تسونامي آخر مماثل أو أكثر قوة، أحد أبرز الذين تحدثوا عن الموضوع هو الخبير التايلاندي "سميث دارماساروجا" الذي شدد على أن سجل تسونامي التاريخي خلال القرنين الماضيين، وأبحاثه الكثيرة على مدى السنوات الثلاثين الماضية، تؤكد تعرض منطقة المحيط الهندي إلى زلزال مدمر فموجة مد عاتية كل 50 سنة أو نحو ذلك، ومما قاله الخبير أن ماليزيا وسنغافورة سوف تكونان الأكثر عرضة للدمار مستقبلا بفعل تحرك مركز الزلزال نحو مضيق ملقا، مما يوجب عليهما إيجاد حلول سريعة.

وحديث الرجل من الصعب الاستهانة به، كونه العالم الوحيد الذي ظل يتنبأ منذ عام 1988 باحتمال تعرض بوكيت وما جاورها إضافة إلى جزر أندامان ونيكوبار الهندية (600 جزيرة صغيرة على بعد 12 ألف كيلومتر من سواحل مدراس) إلى كارثة طبيعية مدمرة، وقتها اتهم الرجل بالتخريف وترويج إشاعات مضرة بصناعة السياحة التايلاندية، ليتحقق ما قاله بعد عقد ونصف وليصبح بعد ذلك مستشارا لرئيس الحكومة بدرجة نائب وزير.

كاتب بحريني
باشتراك مع الاتحاد الإماراتية




تابعونا على فيسبوك