كذب المحللون ولو/محمد خلفان الصوافي

الثلاثاء 17 يناير 2006 - 14:08

`دأبت البرامج التلفزيونية وصفحات الجرائد في مثل هذه الأيام من كل عام ميلادي على تقليد سنوي، هذا التقليد هو إفساح المجال للمحللين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والرياضية لتقييم ما حدث خلال عام مضى وأيضا طرح توقعاتهم للعام الجديد في مختلف الملفات و

ومنذ أيام، قفزت إلى رأسي فكرة بدت تقليدية في ظاهرها، ولكن لما تتبعتها ونفذتها فوجئت بفكرة مثيرة، وبوضوح أكثر، فقد فكرت في البحث عن قصاصات وأخبار وتقارير صحفية نشرت في نهاية عام 2004 واحتفالا بقدوم عام 2005 للتعرف إلى مدى ثبوت التوقعات، ولكني اكتشفت للوهلة الأولى أن هذا الكم من التوقعات لم يبصر النور بل لم يطل برأسه نحو نافذة الواقع.

بل والمفارقة أن مسار الأحداث في عام 2005 قد أخذ منحى يبدو معاكساً لمعظم توقعات المحللين ومن يصفون أنفسهم بالخبراء، وهنا قفزت إلى ذهني تساؤلات عديدة وتزاحمت في رأسي أفكار وهواجس حيال من يبثون أفكارهم ونظرياتهم وينافسون المنجمين في الخيال واللعب على أوتار الضعف الإنساني والرغبة العارمة في معرفة ما يخبئه لهم المستقبل، كنت أتمنى لو صدقت توقعات المحللين المتفائلين في ما يخص تطورات العملية السياسية في العراق أو ممن توقعوا حدوث اختراقات مهمة في ملف الصراع العربي الإسرائيلي، أو اعتقال زعيم الإرهاب والإرهابيين أسامة بن لادن، ولكن ذهبت الأحداث إلى اتجاه معاكس، فلا تحولات جذرية حدثت في العراق ولا اختراقات مهمة في القضية الفلسطينية ولا حتى عرف مصير ابن لادن وهكذا.

بل إن ما لم يتوقعه أي من المحللين قد حدث، مثل التطورات المتصاعدة في الملف السوري اللبناني، ومسلسل الاغتيالات في لبنان وتعقد العلاقات السياسية بين الجارتين العربيتين بل أكاد أجزم أن معظم المحللين النفطيين لم يتوقعوا أن تستمر أسعار النفط في ارتفاعها الذي بدأ منذ منتصف العام الماضي لأن الكثير منهم توقع تراجعها.

إن فشل توقعات المحللين في جردتهم السنوية المعتادة وعدم مطابقتها للواقع ولو بنسبة بسيطة جعلني أفكر بأن تلك التوقعات لم تكن أكثر من أفكار شخصية وأنها بعيدة عما نعتقد بأن التحليل السياسي واستشراف المستقبل وسيناريوهاته تختلف عن"التنجيم" وقراءة الفنجان فمحاولة التنبؤ بمسارات الأحداث سياسيا واقتصاديا تستند إلى قراءات دقيقة للواقع من منظور علمي، وفهم حركة التاريخ وصولاً إلى طرح سيناريوهات مستقبلية بناء على حقائق الواقع وبيئة الأحداث وفهم سلوك ودوافع تحركات الساسة أو الدول المؤثرة في الأحداث:

المؤكد أن من الصعب مطابقة الواقع للتوقعات، فليس شرطا أن تصدق التوقعات تماماً ولكن يجب ألا تتناقض تماماً أيضا كما هو الحاصل الآن، وطبعاً، وأنا أقارن بين تلك التوقعات وبين ما حصل على أرض الواقع (خلال العام الماضي) استحضرت في ذهني ما يقوم به المنجمون أو العرافون في هذا التوقيت من كل عام وهم أيضا يتوقعون "يتكهنون" بما سيحدث خلال العام الجديد وأدواتهم في تكهناتهم هي الأفلاك والنجوم ولهذا العلم مريدوه وهناك من يأخذ بها كما أن هناك من يرفضها.

وحاولت أن أقنع نفسي بأن هناك فرقا بين الاثنين ولكن النتيجة التي ظهرت من واقع ملاحظتي لا تختلف كثيرا عن تكهنات وتنجيم العرافين، فأصبح هناك خلط على الأقل في ذهني بين المحللين، أو معظمهم، من ناحية وبين المنجمين من ناحية ثانية وفهمت بالتبعية سر عزوف الناس عن سماع تحليلات"الخبراء"و"المراقبين".

يدفعني ـ كل ما سبق ـ إلى المطالبة بعدم الإسراف في التوقعات تفاؤلاً أو تشاؤما ـ بعد أن أصبحت هذه "اللعبة" مملة وغير مقبولة لابتعادها عن الواقع خاصة وأننا لا زلنا فــي بداية العـام، وحتى لا يكـون هنـاك خلـط بين التحليل العلمـي والتنجيم وحتى لا يقـول أحدهـم يومـا"كذب المحللون ولو صدقـوا".




تابعونا على فيسبوك