الأسس التاريخية والجغرافية لضمان سرية تازمامارت

الإثنين 16 يناير 2006 - 12:33
صورة لأحد السجون

دخل تاريخ الغرب الأوروبي في بحر القرن الثامن عشر منعطفا تاريخيا أثر على الحدث في المغرب حيث عطل دور الوسيط التجاري لحاضرة سجلماسة، ومرد ذلك إلى ظهور السفن الشراعية الضخمة التي مكنت من الاتصال المباشر ببلدان أفريقيا جنوب الصحراء موطن التبر والعبيد.

وإذا كانت السلطة المركزية قد دفعت في بناء الصويرة وجعل مينائها منفتحا على الغرب الأوروبي، فإن ذلك يفيد بداية انغلاق الجنوب الشرقي المغربي أو بالأحرى لم يعد ذلك الدور المغربي التقليدي في الوساطة التجارية بين أوروبا العربية وإفريقيا جنوب الصحراء قائما، ولقد استصحبت الفترة تحولات عدة في الجنوب الشرقي المغربي وافقت انهيار حاضرة سجلماسة، منها نزول قبيلة أيت عطا من جبال الأطلس الصغير لاحتلال مواقع خصبة بسهل تافيلالت، ومنها أيضا انتقال قبيلة أيت يزدك من ممارسة حراسة الممرات التجارية الجبلية والانقطاع للزطاطة إلى استصلاح الأرض وبناء قرى زراعية محصنة على شاكلة قصور تافيلالت، فضلا عن توسيع مجال القبيلة ليشمل حوض كير وأعالي ملوية، والشروع في إنشاء واحات باردة هنا وهناك بالجبال.

وفي خضم هذه التحولات تعمق الصراع بين أيت عطا وأيت يزدك انتهى لصالح هذه القبيلة الأخيرة بدعم من المخزن المغربي وبقيادة الشيخ إبراهيم يسمور اليزدكي الذي علا شأنه في منتصف القرن التاسع عشر، وبعد ذلك اتخذ الصراع وجهة أخرى فأصبح المخزن يحارب أيت يزدك بعد إعدام الشيخ ابراهيم سيمور اليزديكي إلى حدود أواخر القرن التاسع عشر .
ولم يمض سوى أقل من عقدين من الزمان فقط حتى انهارت قوى أيت يزدك بعد مشاركتها في معركة بودنيب سنة 1908 وفي معركة مسكي سنة 1916 .

وفي العشرينات من القرن الماضي تبين لقبيلة ايت يزدك السباحة مع التيار وقبول الوضع، فانساقت مع المد الجديد إتمام الاحتلال الفرنسي لجبال الأطلس الكبير الشرقي
وفي هذه الأثناء وفي أجواء معركة أيت يعقوب بالمجال الترابي لقبيلة أيت حديدو سنة 1929 ظهر القائد عدي وبيهي نايت رهو في عشيرة أيت يحي وخليفة اليزديكية.
وعلى شاكلة كافة قواد عهد الحماية الفرنسية بالمغرب الكلاوي الكنداي، المتوكي استعبد القائد سكان المنطقة وسخرهم بالتناوب في خدمة ضيعات بقرية كراندو التي يسكن فيها ويحكم وفق اختصاصاته وفي ضيعات أخرى بمواقع خصبة بجبال الأطلس الكبير الشرقي.

ودون الغوص في التفاصيل الصغيرة نسجل أن عهد القائد عدي وبيهي وضع نهاية عهد الفروسية اليزدكية وقضى على روح المقاومة بوسط القبيلة، وكان لما عين عاملا على إقليم تافيلالت في بداية الاستقلال يعتمد على قبائل أيت مرغاد وأيت حديدو وأيت سيغروشن في كل مهمة شاقة، ولقد قاد تمردا كاد أن يحقق انشقاق الجنوب الشرقي المغربي لذلك اعتقل وحوكم، وتوفي في ظروف غامضة سنة 1958.

وخلاصة القول كان الجنوب المغربي يؤثر على الحدث التاريخي إن لم يكن يصنعه وكان ينظر إليه ابتداء من القرن الخامس عشر الميلادي بأنه مصدر الخلاص وبالفعل دعم الجنوب الدولتين السعدية والعلوية وكان يشكل فضلا عن ذلك خزانا بشريا بفعل نجاته المتكررة من المجاعات والأوبئة ومنطقة هجرات قبلية متكررة، ومع الكشوفات الجغرافية وانطلاق الثورة الصناعية بالمغرب الأوروبي تراجع دور الجنوب المغربي التاريخي واتجهت قبائله إلى الانغلاق والتقوقع الذي انتهى بالتراجع التاريخي لتمرد قبائل أيت يزدك التي تلقت عدة ضربات ابتداء من حركات المخزن المغربي في القرن التاسع عشر و إلى ضربات القائد عدي وبيهي التي أفرزت وسطا سكنيا هادئا آمنا لائقا لاحتضان المعتقلات السرية.

وفي سنة 1972 اختير موقع تازمامارت الذي لا يبعد عن مركز كراندو مسقط رأس القائد عدي وبيهي نايت رهو بأقل من 15 كيلومترا لبناء معسكر يحوي معتقلا رهيبا لا مثيل له
ويغلب على الظن أن اختيار الموقع قائم على دراسة وتخطيط.

فمن الناحية التاريخية والاجتماعية تبين أن قبيلة أيت يزدك المجاورة لمعتقل تازمامارت لم تعد تتوفر على أدنى شروط المقاومة وليس هناك بوسط القبيلة مناضلا قاوم الاستعمار وحاربها فوق أن القبيلة تخلت عن هويتها الثقافية فاختفى زي نسائها ونظام رقصها ووشمها وتخلت عن التصوف الطرقي بعد هجرتها من قرية تيزكي قرب مركز تينغير.

ومن جانب آخر بني المعتقل في قرية تحوي أقليات عرقية من قبيلة أيت سغروشن التي اشترت أرضا زراعية كانت تسمى "تيجان" بالأمازيغية أي المواجل (جمع ماجل) وهي صهاريج تقليدية لتجمع ماء الري وبعد ذلك أطلق عليها اسم تازمامارت، ولا ندري ماذا يعني الاسم بالأمازيغية تازمامارت ويظهر أنه من مشتق من "تزمومر" أي هزيلة وبالفعل فالقرية تعاني من هزالة إمكانياتها الزراعية ومن عدم التجانس العرقي مع المحيط المجاور ووقوعها في ضفة أحد الروافد الهامشية لواد زيز.

وفي جميع الأحوال فالقرية لا حول لها ولا قوة بمحيطها السوسيوثقافي فضلا عن كونها محاطة بقبيلة ايت يزدك التي استنفدت كل مقاومتها بفعل العوامل التاريخية.

ومن حيث الطبوغرافيا يقع معتقل تازمامارت في السفح الجنوبي من جبل أسامر نايت فركان، وتعني أسامر بالأمازيغية السفح الجنوبي المشمس أما ايت فركان فهي إحدى عشائر أيت يزدك القوية، ويظل عليها من الناحية الجنوبية جبل بولقنديل نسبة إلى أحد المزارات القديمة التي تضاء ليلا بواسطة القنديل. وفي الغرب مقعر جبلي يشرف عليه من الناحية الجنوبية جبل أمالو ويخترقه واد زيز وبجنباته قرى زراعية معظمها من قبيلة أيت يزدك وبعضها للأقليات العرقية المستضعفة.

وبين جبل أمالوا وجبل بولقنديل ممر جغرافي تنبع فيه عين ساخنة حامات مولاي هاشم ويخترقه واد زيز، وفي جنوب الممر قرية كراندو مسقط رأس القائد عدي وبيهي
وفي الضفة اليسرى من الواد قرية أيت عتو التي تمتد أيضا إلى السفح الجنوبي من جبل بولقنديل الذي يفصلها عن قرية تازمامارت.

وفي الشمال الغربي من الممر مفترق الطريقين المعبدتين، الطريق الوطنية رقم 13 المتجهة جنوبا نحو الرشيدية والطريق الجهوية الممتدة إلى تالسينت شرقا وإلى بوعرفة في الجنوب الشرقي.
وفي منعطف هذه الطريق وبالضبط شرق قرية إعشاش تنحرف طريق فلاحية غير معبدة متجهة نحو معتقل تازمامارت.

وللإشارة فقد وضعت الطريق في حراسة مشددة ولا يسمح بالمرور بها إلا لسكان القرية فقط.
وأما زوارها فمدعوون للكشف عن هويتهم في نقط الحراسة جنوب المعسكر في أحسن الأحوال, تلك هي الأسس التاريخية والجغرافية التي ضمنت سرية المعتقل ما يقرب عقدين من الزمان.

كاتب مغربي




تابعونا على فيسبوك