مصر والإخوان بين مرحلتين

الإثنين 16 يناير 2006 - 09:37
اخوان المسلمين في مصر

ما أشبه الليلة بالبارحة، فالخوف الذي أثاره صعود جماعة "الإخوان المسلمين" في الانتخابات البرلمانية المصرية التي أجريت قبل أسابيع قليلة، حدث مثله مع تصاعد دور هذه الجماعة عقب الحرب العالمية الثانية، خوف يتجدد بعد 60 عاماً تقريباً، ولكن بشكل مختلف، فالكثير ت

ومع ذلك يظل الفزع الذي تنطق به سطور كتاب صدر في عام 1946 تحت عنوان "الإخوان المسلمون في الميزان" قريباً في قسماته ودوافعه من الخوف الذي أثاره صعود "الإخوان" عام 2005 في كثير من الأوساط المصرية.

مؤلف الكتاب الذي صدر قبل 60 عاماً، ويعيد نشره الآن أحد الناشرين المصريين، ناشط يساري هو عبد الرحمن الناصر الذي كان معيداً في كلية العلوم جامعة القاهرة عندما نشر هذا الكتاب باسم مستعار هو "محمد حسن أحمد"، وقد أخفى اسمه ليس فقط بسبب خوفه من "الإخوان"، ولكن أيضاً لضرورات العمل السياسي السري لأنه كان عضواً في أحد التنظيمات "اليسارية" المحظورة حينئذ.

لم يكن هذا الكتاب الوحيد الذي عبر عن خوف من أن تقع مصر بين يدي تنظيم يعتمد على شعارات دينية ولا يمتلك برنامجاً ولا رؤية واضحة للمستقبل، ولكنه كان الكتاب الأول الذي فتح الباب لكتب أخرى توالت وكان أهمها وأشهرها كتاب »من هنا نبدأ« للأستاذ خالد محمد خالد الذي صدر في مطلع 1950 .

كانت مصر قد خرجت لتوها من الحرب العالمية الثانية منهكة على كل صعيد، وبدا النظام السياسي، الذي كان قد دخل في حالة جمود، عاجزاً عن استيعاب التغيير الاقتصادي والاجتماعي السريع في ذلك الوقت، وعن احتواء جيل جديد لم يجد له مكاناً في هذا النظام.
كان الوضع قلقاً غداة الحرب الثانية، مجتمع ازدادت تناقضاته على كل صعيد، ونظام سياسي ازداد جموده وعجزت نخبته عن قراءة التحولات التي تفور تحت السطح فبقيت على اطمئنانها في ظرف لم يكن فيه ما يطمئن، وفي وضع قلق على هذا النحو، وإلى هذا المدى، لم تكن الحركة الوطنية الجديدة ذات البعد الاجتماعي قادرة على إحداث التغيير الذي اشتدت حاجة المجتمع إليه بطريقة ديمقراطية، كما لم يكن في إمكانها أن تطمئن الخائفين من مستقبل غامض لا يعرفون ما ينتظرهم فيه، كانت أضعف من أن تغير، ومن أن تبث الأمل.

وفي هذه الأجواء، تصاعد نشاط "الإخوان المسلمين" على نحو زاد بعض الخائفين خوفاً، كان الخوف يسكن أجواء تلك الفترة، حالة عدم يقين انتشرت في مجتمع تخلت عنه الحركة الوطنية التقليدية، ولم تنضج فيه بعد الحركة الوطنية الجديدة التي تبلورت بشكل أولي خلال حركة الطلبة والعمال عام 1946 .

ولذلك، أخذ الخوف يسري من الدور المتصاعد لجماعة "الإخوان المسلمين"، بسبب تنظيمها الخاص (السري) الذي أسسته بالرغم من أنها كانت جمعية علنية مسجلة في وزارة الشؤون الاجتماعية، كما تسبب في هذا الخوف بعض أعضاء الجماعة من الشبان الذين كانوا يسلكون في داخل الجامعة وخارجها سلوكاً يشبه الميليشيات شبه العسكرية.

هذا السلوك، الذي تجدد خلال الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة، هو أيضاً أحد أهم دوافع الخوف الذي تثيره الجماعة الآن، خرجوا إلى لجان الانتخاب في مجموعات شديدة التنظيم قوية البنيان كما لو أنها ميليشيات تستعد لحرب.
لقد خرجوا إلى "الجهاد" دون أن تكون لديهم خلفية كافية عن معنى التنافس في الانتخابات، لم يتح لهم نظام التنشئة في داخل الجماعة فرصة كافية لفهم أن الخصم السياسي ليس عدواً ولا كافراً، وأن الفائز لا يملك البلاد والعباد وإنما يحصل على تفويض مؤقت زمنياً حتى موعد الانتخابات التالية وموضوعياً لأنه مقيد بقواعد النظام الديمقراطي التي لا يحق له أن يخرج عليها أو يغير فيها.

ولكن المشترك بين الخوف من"الإخوان" في مصر عام 1946 وعام 2005، لا يقتصر على نوع تنظيمهم الحديدي المنغلق على نفسه، ففي الواقع الموضوعي ما هو مشترك أيضاً، فقد صعد "الإخوان" عام 2005 في لحظة تاريخية يبدو تطور المجتمع المصري فيها.

محجوزاً بسبب جمود سياسي استمر لفترة طويلة من الزمن، وعندما يحدث هذا الجمود في مرحلة تشهد تغيراً اجتماعياً واقتصادياً واسع النطاق، يعاني المجتمع اضطراباً وبلبلة على النحو الذي حدث له غداة الحرب العالمية الثانية.

استخدم مؤلف كتاب "الإخوان المسلمون في الميزان" قبل 60 عاماً تعبيراً كان دقيقاً في وصفه لحالة المصريين في ذلك الوقت، وفي الوقت الراهن على حد سواء، وهو تبلبل الخواطر، حدث ذلك عندما وجد المصريون أنفسهم في نهاية الحرب العالمية الثانية في حالة عدم يقين بشأن المستقبل، وهذه هي حالة المجتمع المصري الآن أيضاً بعد جمود سياسي طويل، مجتمع انتظر إصلاحاً تأخر، وعندما بدأ أخيراً، جاءت خطواته الأولى صغيرة ومعدلات تطوره بطيئة، ولكن الفرق هو أن النخبة السياسية والثقافية صاحبة المصلحة في الحفاظ على الدولة المدنية، والتي تصدت لصعود "الإخوان"عقب الحرب الكبرى الثانية،.
أصاب الكثيرين منها الآن مزيج نادر من الإرهاق والغضب فضلاً عن الفساد، أرهقتها الأحادية السياسية، وأغضبها انتشار الفساد بالرغم من أن فريقاً لا يمكن اعتباره صغيراً فيها تورط في أشكال من هذا الفساد، أما الأجيال الجديدة فهي في حالة انفصال تزداد من جيل إلى آخر، والعناصر التي بقيت على اتصال في هذه الأجيال هي التي تحولت إلى قاعدة للأصولية والسلفية الدينية.

وهكذا ازداد الخوف من "الإخوان" في لحظتين تاريخيتين عانى المجتمع في كل منهما حالة تغيير مكبوت بدأ يفور تحت السطح، مما أدى إلى عدم يقين بشأن المستقبل، إنه مجتمع مبلبلة خواطره اشتد الغضب بالبعض فيه لتأخر الإصلاح فبات مستعداً لأن يلقي بنفسه في مجهول لا يعرف إلى أين سيأخذه، هذا المجهول "الإخواني"هو الذي يخشاه بعض آخر في هذا المجتمع لا يحب المغامرة ولا يريد أن ينتقل من وضع سيئ إلى وضع آخر قد يكون أسوأ.

هذا الخوف من"الإخوان" الذي انتشر في تلك المرحلة، ويتجدد الآن في ظروف مختلفة، يثير سؤالاً هو : هل العيب في الخائفين من "الإخوان"، أم في "الإخوان" أنفسهم، من حيث هم أفراد، فالكثير منهم طيبون وضحايا، بعضهم ضحايا نظام سياسي طال جموده، وبعضهم ضحايا مجتمع توحش بسبب حدة الصراع بين عدد كبير للغاية على فرص قليلة للغاية، وفي ظل هذا الصراع، لم يجد آلاف من الشباب كل عام إلا مظلة "الإخوان" الاجتماعية، وليست فقط الدينية، فاستظلوا بها، والعيب أيضاً هو عيب.

التنظيم "الإخواني" الذي فاق النظام السياسي جموداً، واستثمر في الوقت نفسه جمود هذا النظام، إنه عيب نمط التنشئة السائد في هذا التنظيم والذي يخلو من قيم التعدد السياسي والثقافي والحوار الحر والتنافس السلمي وقبول الآخر والتسامح معه أياً يكن الخلاف معه.

وإذا كانت شمولية التنظيم من أهم دوافع الخوف منه، تصبح مراجعتها بداية إبعاد هذا الخوف، وهذا هو ما ينبغي أن يدركه قادة "الإخوان" الذين تفصل بين خطاباتهم السياسية العلنية مسافات مختلفة يصعب أن نجد مثلها في تنظيم آخر، فبعضهم يبدو كما لو أنه أكثر "ليبرالية"من جون لوك، بينما يبدو بعض آخر أقرب إلى سيد قطب.

وهذه مشكلة أخرى لا يحلها إلا إصلاح تنظيمي وفكري يقود إلى برنامج واضح ومحدد يمكن الحوار حوله اتفاقاً واختلافاً، وعندئذ فقط يمكن وضع حد لخوف الخائفين من "الإخوان"

كاتب مصري باشتراك مع الاتحاد الإماراتية.




تابعونا على فيسبوك