دنيا

سلطة الختان واللذة والانتشاء

الأحد 15 يناير 2006 - 14:18
لقطة من الفيلم تجمع بين حنان ترك وعايدة رياض

تأخذ الجدة المشرط بيدها، تفتح ساقي الفتاة الصغيرة الملقاة على البساط، صراخ ودماء تناثرت على المنديل الأبيض وانتهت العملية: لقد ختنت الفتاة ياسمين.

تصل دنيا (حنان ترك) لتجد نفسها أمام الأمر الواقع الذي طالما حاولت تفاديه على طول أحداث الشريط الذي يحمل اسمها عنوانا له فكان هذا الحوار الصادم: ٭ دنيا موجهة كلامها للجدة: خلاص خلتيها زيك، فاكرة انك أنت كده بتحميها أنت طفتيها
حتخللي طبيخها يفضل طول العمر بارد حتى وهو ع النار
طبيخ ملح الدنيا كله مش حيحدقوا ـ الجدة: ده ضنايا ٭ دنيا: عارفة
ضناك ؤبتحبيها ؤخايفة عليها ؤنفسك تعمليها ست محترمة (تحمل الفتاة باكية) بس في الآخر دبحتيها.
انتهى الحوار لكن معاناة ياسمين وكثير مثلها من فتيات مصر لا تزال متواصلة مع الختان وعواقبه على الجسد والروح.

في شريط "دنيا" للمخرجة اللبنانية المشاكسة جوسلين صعب محاولة سينمائية للاقتراب من هذه الممارسة الاجتماعية المسلطه على نساء مصر وكثير من الدول العربية الأخرى بدعاوي الحيلولة دون انحلال الفتاة وانحرافها.

لكن الشريط لا يعالج هذا الموضوع كتيمة أساسية لكنه اتخذه ذريعة لملامسة واحدة من أكثر المحرمات المسكوت عنها في مجتمعاتنا: النشوة في العلاقات الجنسية
"دنيا" فتاة مصرية شابة تائهة تبحث عن ذاتها في علاقاتها مع الآخرين ومع محيطها المجتمعي بكل مرتكزاته العقائدية والاجتماعية الموروثة تتنازعها رغبات عدة متناقضة
فهي تسعى لتعلم الرقص الأكاديمي على أصوله ، ولا تجد حرجا في الارتماء بين أحضان راقصات شعبية لا يعرفن عن الرقص غير هز الوسط كيفما اتفق دون أدنى روح استيتيقية أو ذوق فني.

كما أنها موزعة بين الرغبة في العيش بالمدينة (القاهرة) والحنين إلى أصل والدتها بالصعيد والأهم هو ترددها في حسم علاقتها مع حبيبها ممدوح فتحي عبد الوهابالذي أصبح زوجها في ما بعد وأستاذها المشرف على رسالتها في الماجستير "الحب في الشعر العربي" بشير محمد منير و أستاذها في الرقص أيضا.

فمع الأخير تعلمت كيف تكتشف جسدها وكيف يمكن لها تطويعه لإيصال مشاعرها إلى الآخر، ومع الثاني اكتشفت آفاق الحب الصوفي الرومانسي وتطبيقاته في حين كانت علاقتها مع الأول جسدية حسية للإمتاع والتمتع.

وفي خضم هذا التيه الذي يؤرق حياة دنيا نستعرض مع المخرجة نماذج متصارعة من صميم الواقع المصري المعاصر المكبل بالتقاليد والأعراف والتواق إلى "التحرر" ولو في صيغ هجينة غير مؤصلة.

"دنيا" فتاة تبحث عن الحب وتسعى إليه بكل حواسها لكن الخوف الذي تربى لديها من الإقدام على خطوة غير محسوبة قد تكون نتائجها "كارثية" على نفسيتها وعلاقتها مع المحيط وقف دوما سدا منيعا بينها وبين تحقيق رغبتها كاملة غير منقوصة.

لقد سعت دنيا دوما إلى تحقيق التوازن المفروض بين نظريات الشعر الذي تحضر رسالتها حوله وبين متطلبات الجسد الفائر التواق للارتواء من معين الجنس
وفي انتظار ذلك عانت الأمرين مع الحرمان المرتبط في جزء منه بضرورة احتفاظ الفتاة بعذريتها حتى الزواج ما دام الزوج "الشرقي" نافر من الارتباط بزوجة غير عذراء ولو كان مفتض بكارتها
امتحان صعب قررت دنيا عدم رهن مصير علاقتها المستقبلية بمحمود بإمكانية تقبل الأخير لتلك الحقيقة من عدمه
في بعض من مشاهد الشريط يكرر الأبطال مقولة كيف أن ليس في مجتمعاتنا قانون يمنع الحب فلم الخوف إذن من الإقبال عليه؟ فأسلافنا، حسب الأستاذ بشير، انطلقوا أحرارا في الحب مستدلا بكتاب ألف ليلة وليلة وفناء العاشق في المعشوق عند ابن حزم وعبارات العاشق عند ابن عربي وأشعار بشار ابن برد و أبي نواس وغيرهم كثير
لكن الأغاني المعاصرة من محمد عبد الوهاب ومجايليه ومن تبعهم في درب الغناء مليئة باللوعة والعذاب معبرة عن شعوب تخاف الحب وتهابه بل تعتبره ضعفا ومهانة
وحتى اللذة في الحب ،حسب بشير دوما، لا نقوم إلا بخطفها خطفا في فضاءات مؤثثة بالعيب والمحرمات بالرغم من عدم إمكانية فصل اللذة عن الأدب العربي كله
والسؤال المطروح: كيف وصل بنا الأمر إلى هذا الكبت أفرادا وجماعات؟ صحيح ،حسب الأستاذ بشير، أن شعر الحب ماجن وفاجر وفيه شيء من الكفر لكن أين ولدى من؟ في نظرة الناس إليه وطريقة استقبالهم له، لكن الذي يعرف القراءة جيدا سيعرف معنى الجمال وسيعرف أن شعر الحب الحقيقي والجريء هو فن الحياة نفسها.


تلك مجموعة من الأفكار التي حاولت المخرجة جوسلين صعب تمريرها على لسان شخصيات شريطها، محاولة إبراز التناقض في مجتمع يعرض باعته مثلا على واجهات محلاتهم ملابس النساء الداخلية استثارة للزبناء لكن مواطنيه يرفضون للمرأة حق تملك جسدها والتمتع به.

لكن كل ما عرضه الشريط لا يبيح أبدا إجازة العلاقات غير الشرعية التي جمعت عددا من شخصيات وقدمت على أنها قمة اللذة والانتشاء مقابل تراخي العلاقة الجنسية كلما كان الزواج هو الرباط بين العاشقين، فليس في الانحلال الدواء الشافي للمنع والكبت الجنسي المسيطرين على المجتمع.

و لا سبيل لإقناع المتتبع الواعي بتلك النظرية المخالفة للتعاليم الدينية وللطبيعة "السوية" للإنسانية التحرر شيء محبذ لكن الانحلال والتفسخ أمر ما أنزل به الله من سلطان والتخفي وراء قيم الحداثة والعصرنة لتمرير خطابات من تلك الطينة أمر يسيء فعليا إلى صاحبه ويضعه محل تشكيك واتهام.

لقد حاول الشريط استباق مثل هذه الأحكام،التي تجد لها شرعية وامتدادا لدى العديدين ولو لم يكونوا متحاملين على العمل، بموازاة قصتها الرئيسية المتعلقة بالجسد واللذة قصة فرعية تعالج القمع الفكري والسياسي المؤطر للعلاقات المجتمعية في بلداننا من خلال المواجهة التي تزعمها الأستاذ والصحافي بشير في مواجهة القوى "المتطرفة" وأجهزة الدولة المتهمة بمصادرة الكتب وإغلاق المطابع وقمع الحريات في ظرف زمني مفصلي في تاريخ الأمة مطبوع باتهامات التخوين والعمالة وغياب الحوار الهادئ والرصين
صراع أدى ببشير إلى العمى وفقدانه البصر في هجوم استهدفه لينطلق هو الآخر في رحلة بحث عن فهم العالم من حوله اعتمادا على أحاسيسه العميقة وفهمه لثنايا جسده ومكنوناته.

وفي هذا ربط مباشر بين الواقع المجتمعي المعيش بالاختيارات والإملاءات السياسية للحكام وهو اختيار إبداعي ليس غريبا على جوسلين صعب الصحافية التي تحولت للسينما بالتزامها السياسي المعروف عنها منذ بداياتها في الميدان في "دنيا" فلتات سينمائية رائعة رغم ايروتيكيتها، ولعل مشاهد العلاقة الجنسية الحسية التي جمعت بشير بعاملة الفندق أولا ثم دنيا ثانيا أكبر دليل على حرفية المخرجة .فالمشاهد لا قبل ولا "عري" ولا إيلاج فيها، بل مجرد احتكاك وتماس أجساد مفعمة بالرغبة الجامحة معبرة عن إحساس العاشق وانتشائه التي يتوصل إليها دون جنس جسدي.

كما أن أداء الممثلين كان في أغلبه موفقا وبعيدا عن السائد الذي ألفناه في الأفلام المصرية، فحنان ترك بجسدها النحيف تملكت الشاشة طوال أحداث الشريط وتلاعبت بجسدها كما شاءت خصوصا في مشاهد الرقص التي أبدعت فيها بلا منازع وعايدة رياض بدت متفوقة في دور المرأة الشبقية الراغبة في الجنس رغم عملها كسائقة طاكسي التي تستدعي كل مقومات الرجولة لمن يسعى لامتهانه أما محمد منير فكان غناؤه صداحا مؤثرا أكثر من أدائه.

في حين أبدع فتحي عبد الوهاب في دور العاشق المحروم وسوسن بدر في دور الأستاذة المتحررة وبدت وجه الممثلين متعبة بلون أرضي يظهر الجفاف المسيطر على حيواتهم ومشاعرهم إلا في حالات اللذة القصوى حيث تضيء الوجوه وتتنور ورغم غير قليل من الفراغات في السيناريو والبناء الحكائي ظلت أوصال الشريط مشدودة إلى بعضها ولو بصعوبة.

لكن ما يعاب على شريط جوسلين صعب يبقى إسرافها الكبير في مشاهد الإيحاءات الجنسية وتكرارها دون فائدة درامية حقيقية تدفع بالحدث إلى التصاعد
ولعل مشهد النهاية يبقى مثالا على عدم توفق المخرجة في بلورة توجه فكري أصيل غير مستغرب ولا مغرب.

فكيف لنا تقبل العلاقة الجنسية بين دنيا وأستاذها بشير مقابل تخليها عن الزوج تحت ذريعة توحد الجسد والروح؟ كما أن التناقض بين شبقية الشخصيات النسائية في الشريط ومفهوم الختان الذي تدعي المخرجة معالجته تطرح أكثر من علامة استفهام حول وحدة الموضوع والتيمة المطروقة.

الفيلم حامل لفكر مستورد لكنه أبدا لا يسيء إلى مصر أو غيرها كما اتهم به في مهرجاني القاهرة ودبي وفيه شيء من السينما تمنينا لو سارت به المخرجة إلى النهاية لتقديم شريط مختلف في المظهر والجوهر عن السائد السينمائي الاستسهالي المسيطر على السينما العربية والمصرية منذ سنوات.

"دنيا" عمل سينمائي مصري برؤية إبداعية لبنانية فرنسية ساهمت القناة الثانية المغربية في إنتاجه، وهو ربما واحد من أحسن الأشرطة المنتجة أخيرا في المتن السينمائي العربي.




تابعونا على فيسبوك