رباعية الروائي الليبي الدكتور أحمد ابراهيم الفقيه

خرائط الروح

الثلاثاء 31 يناير 2006 - 12:23

"خرائط الروح"

تبدأ اليوم في "الصحراء المغربية"


خبز المدينة

هكذا تبدأ أحداث قصتك وهكذا تنتهي، رغم أنها لا تنتهي، ألا لتبدأ من جديد .

فهي بداية تقود إلى نهاية، ونهاية تقود إلى بداية جديدة، فلا شيء ينتهي، دون أن تكون له بداية، ولا شيء يبدأ إلا لكي يصل إلى نهاية، تكون نقطة انطلاق لأحداث تتعاقب وتصنع صيرورة الحياة بما فيها من بدايات ونهايات وميلاد وموت وانبعاث، ودورة تقود الى دورة أخرى، حتى تصبح حلقة مفرغة بلا بداية ولا نهاية .

فلماذا يفزعك أن يعود إليك الماضي، ليأخذك أسيرا، مغلولا بالأصفاد إلى أرضه التي تركتها هاربا.

نعم، إنه الماضي يعود إلى الحاضر ياعثمان الحبشي.

يأتي ليحتويك بغباره الكثيف، الكريه، المحمل بأدخنة البارود ورائحة الدم البشري، وأشباح الجثث المقطوعة الرؤوس.

هاهو الماضي يعود إليك ياعثمان الحبشي .

يغمرك بأمواجه السوداء كبحر من القار.

يحاصرك ويبسط نفوذه على ساعات نومك ويقظتك ويأخذك من أرضك وزمانك، إلى أرضه وزمانه هو، بمثل ما فعل عندما انتزعك من جذورك واخذ منك لقبك ونسبك واعطاك نسبا حبشيا وأنت القادم من عمق الحمادة الحمراء.

وكضباع الكهوف في الهضبة الاثيوبية، التي تنام نهارا وتستيقظ ليلا، ولا تهاجم ضحاياها الا غدرا، تهاجمك ضباع الماضي لتأكل يومك وغدك وتسد امامك مسالك النجاة.

بعد لحظات سيطلع الفجر ويشعل في الأفق حريقا هائلا يأكل ظلمة الليل، وسيرتفع من المآذن النداء الذي يدعو الناس إلى صلاة هي خير من النوم، مصحوبا بالنشيد الأبدي الذي تعزفه جوقة الديكة وهي ترفع رؤوسها باتجاه الشرق، انتظارا لمواكب الشمس، حيث تمتليء سهول السماء بأطياف مضيئة لها ضجيج وحركة، فتردد صداها قلوب الكائنات وهي تستيقظ على إيقاع أشعتها، منبهرة بجلال أصواتها وألوانها، ويبدأ مشهد الافتتاح ليوم جديد، تتطلع نفوس الناس لما يحمله من مستجدات، عداك انت باعثمان الحبشي، لان الماضي يأبى أن يغادر عقلك وقلبك، معلقا باهذاب عينيك، يمنعك من أن ترى سواه، لقد صار الماضي حاضرا يملأ لحظات النوم واليقظة برعب الكوابيس.

كنت انت يا عثمان الحبشي من يصنع الكوابيس للاخرين، فما الذي اصابك، وأصاب الدنيا، لتصبح أنت ضحية الكوابيس .

انها إحدى المفارقات العجيبة التي تملأ حياتك، وما أكثرها.

كنت تفخر بأن لك حدسا، حباك به الله، يجعلك ترى الأشياء قبل حدوثها، وتألف الامكنة الغريبة التي تراها لأول مرة، وكأن حياة سابقة عن حياتك هذه، قادتك اليها.

كان المشهد مفزعا، مجللا بالدم ومليئا بالجثث المقطوعة الرؤوس.

تعطل حدسك فما كنت تستطيع أن ترى غير شيء واحد، خطى السياف، وهي تقترب منك محملة بنذر الموت، ورأسك مقطوعا بعد قليل مثل رؤوس رفاقك الذين سبقوك منذ دقائق إلى هذا المصير، ولكن برغم كل العلامات الأكيدة التي كانت تنبئ بقرب النهاية، ظل رأسك ثابتا فوق كتفيك، يمكنك أن تتحسسه الآن بعد مرور أعوام كثيرة على ذلك اليوم، وتتأكد انه مازال ثابتا في مكانه .

أوثقوا أقدامكم وأيديكم بسلاسل من الحديد، تدمي المعاصم والسيقان، واسندوكم إلى حائط مصنوع من جذوع الأشجار المشدودة إلى بعضها البعض بالألياف والسيور المصنوعة من جلود القرود، وقد حشوا الفراغات التي بين الجذوع بالخوص وأغصان وأوراق الاشجار اليابسة، وصنعوا منه سورا لفناء مترب، واسع، تعربد فيه شمس شديدة السطوع، وتتناثر فيه مجموعة أكواخ، يتخذه المحاربون الاحباش مركزا من مراكزهم العسكرية في سفح الجبل.

كان بالجذع الذي أسندوك إليه نتوءا يضغط على ظهرك ويغوص طرفه بين كتفيك، فكنت تتألم وتبكي دون صوت.

خرج من أقرب هذه الاكواخ، المخصصة لاستعمال الحرس، زنجي طويل القامة، معصور البدن، كأنه هيكل عظمي، عار إلا من لحاف مرقط كجلد النمر يخفي محاشمه، وتسطع اسنانه في ضوء الشمس،فتبدو كأنها أسنان مذراة.

استعرضكم جميع بنظرة بلهاء، ثم بخطى سريعة مرق أمامكم، وهو يتفرس في وجوهكم واحدا واحدا، تضيق عيناه من شدة التركيز، ويظل فمه مشدوها، ومفتوحا، ينفرج عن أسنانه ذات اللمعان الشديد، كأنه لا يصدق ان كل هذا العدد من جند الأعداء اضحى أسيرا لديه، يفعل به ما يشاء.

كنتم مجموعة من جند الجيش الإيطالي، ليس بينكم من الإيطاليين غير ضابط الفرقة، أما البقية فهم ليبيون وصوماليون واريتريون واحباش، واختار ان يقف أمام أسير من أبناء قومه، يبدو أنه يعرفه وربما كان محاربا معه قبل أن ينضم لجيش الغزاة، وقد علت وجه الأسير ابتسامة رجاء وأمل، إلا أن الرد الذي تلقاه من رفيقه القديم هي بصقة على وجهه الباسم، وعاد بعد أن أكمل جولته الاستعراضية، ليقف في أول الصف، وهو يضحك بشكل هستيري حتى استلقى على قفاه، ضحك دونما سبب، ودون أن يصدر صوت من احد الحاضرين، عدا طنين الذباب الأخضر الكبير، الذي اختارت جيوشه وجوه وأبدان الأسرى لإقامتها، لأنه لا أحد منهم يستطيع أن يقاومه أو يحرك يده ليطرده عندما يحط فوق أنفه أو عينيه، علاوة طبعا على وجود كميات متراكمة من الغذاء، في غيبة الاغتسال والنظافة
مد زنجي الحراسات يده في الهواء وقد بسط اصابعه، بعد أن أكمل ضحكته وأحكم عقد ملامحه، فما عاد يلمع في وجهه الا بياض عينيه، أو حبات عرق تتلألأ فوق جبينه، وتقدم جندي يحمل مدية طويلة بحجم السيف، وضعها في اليد المبسوطة الاصابع، وعاد الجندي إلى ركن يقف عنده حراس نصف عراة يحملون الرماح وينشون الذباب ويقفون في صمت، ينظرون إلى زميلهم الواقف قرب الاسرى، الذي مضى يتحسس شفرة المدية باطراف اصابعه ثم التفت يبرطم بكلمات امهرية، فحمل إليه الحارس هذه المرة مبردا، صار يسن عليه حد المدية .

أصدر احتكاك الحديد بالحديد صريرا اثار حساسيتك تجاه مثل هذه الأصوات، فصرت تكز على أسنانك وتحاول السيطرة على ارتعاشة بدنك حتى توقف الصوت.

كان كل شيء يوحي بأن ما تراه الآن هو طقوس بداية المجزرة، التي ستكون أنت ضمن ضحاياها قبل انقضاء ضحى هذا النهار.

حدسك أايضا يقول لك ذلك.

كنت تعرف انك في هذه الحرب القاتل والقتيل معا.

استطعت أن تؤجل موتك مرارا، وقد جاءت الآن لحظة المواجهة مع الموت، التي توقعت مجيئها، فلماذا الفزع إذن؟ أشار زنجي المدية، إلى الحراس أن يبتعدوا قليلا، وكأنه جراح لا يحتمل وجود المتطفلين في غرفة العمليات، ووضع مديته قبالة عنق الأسير الذي أمامه، وجر بها على عنقه في لحظة خاطفة.

أصدر الرأس المقطوع صرخة، رددت اصداءها السماوات السبع، أو هكذا بدا لك، وأنت ترفع رأسك إلى قبة الكون حيت يدوي رجع الصدى، لصرخة الرأس المقطوع، وأنت تقاوم صرخة فزع امتلأ بها حلقك، فمنعتها من الخروج.

أسرى كثيرون يستندون مثلك إلى جذوع الاشجار، ولم يستطيعوا كتم صرخاتهم فانطلقت تصنع غلافا يليق بالمشهد الدموي الاستهلالي.

اغمضت عينيك وتلوت الشهادتين، تنتظر مصيرا كمصير رفيقك الذبيح.

ابقيتهما لبرهة طويلة مغمضتين، وعندما فتحتهما وسط هستيريا الصراخ، كانت سواقي الدم مازالت تدور، وكان ممثل ملك الموت، قد استقر على نظام لعمله، فهو يذبح اسيرا ويتخطى الاسير الذي بجواره، يبقيه حيا، ليداهم بمديته الطويلة الاسير الثالث.

لم تفهم لماذا اختار هذا النظام الجزافي العشوائي لاختيار ضحاياه، لعله أراد أن يتسلى بإبقاء البعص احياء ليعود إليهم بشهية أكبر للقتل، في وجبة ثانية، أو لعله ابقاهم لاستخدامهم في عمليات تبادل الاسرى، التي تحدث احيانا.

كان همك هو ان تعرف عدد الاسرى الذين يقعون في هذه المسافة التي تفصل بينك وبين زنجي القتل، لتعرف إن كنت تقف في خانة الأحياء أو الموتى.

لم يكن الرجل يفرق بين ليبي أو صومالي أو حبشي، ولا يخضع لأي اعتبار سوى هذه القاعدة التي وضعها لنفسه، وهي أن يقتل واحدا ويترك واحدا من هؤلاء الأسرى الذين بين يديه .

ازداد فزعك وانت ترى نفسك ضمن خانة الأموات.

لعلك اخطأت في العد، فلتقم بعدهم مرة ثانية وثالثة ورابعة.

انتهى الرجل من قتل سبعة أشخاص وترك سبعة احياء وأمامه الآن قتل خمسة أشخاص أنت سادسهم بالتمام والكمال.

سينجو هذا الإفريقي الذي على يمينك، والإفريقي الآخر الذي على شمالك، وسيذبحك أنت، كما يقول النظام الذي ابتدعه.

الزنجي المخضب بدماء القتلى، يجز أعناق الرجال كأنه يقتل شياه الماعز، يدنو منك
لم يعد يفصله عنك سوى ثلاثة أشخاص.

سيذبح أولهم، ويتخطى الثاني إليك أنت.

ومرتعشا صرت تتلو سورة ياسين المليئة بآيات الرجاء والاسترحام والاستغفار، التي طالما قرأتها على أرواح الموتى في مقابر المسلمين.

يراودك احساس بالخجل لهذا الخوف الذي اعتراك، وجعل العرق ينز من جبينك ويدخل عينيك وفمك، دون أن تستطيع له دفعا .

ولماذا تهتم بدفعه، وأنت ترى نهايتك قد ازفت، وتشهد بعينيك الفناء قادم إليك، والحياة الزائلة تهرب منك، ودرك أن الدنيا ليست الا باطل الأباطيل.

وصل زنجي الموت قريبا منك، حيث ستراه لاخر مرة يمارس طقسه الوحشي، لانه لم يكن بينك وبينه سوى ضحية واحدة.

إنه هذا الأسير الذي بدا ميتا قبل أن يموت.

واحد من أبناء جلدتك، اسمه عبد الله، جاء معك من طرابلس إلى بر الاحباش وعاشرته على ظهر السفينة التي اقلتكم إلى هذه البلاد، وعرفت انه مصاب بصداع مزمن لم يزايله رغم من أجل النار التي تركت اثارها فوق رقبته وفوديه بحثا عن علاج لهذا الداء عن طريق الكي.

ها هو المسكين يجد علاجا ناجعا ونهائيا لاوجاع رأسه .

هذا العبد البائس من عباد الله .

عيناه الآن جاحظتان وفمه مفتوح يحيط به الزبد، وكان صاعقة هبطت عليه وجعلته متجمدا مصعوقا بهذا الشكل.

أساك على نفسك انساك أي شعور بالأسى نحوه، هكذا علمتك تقاليد الحرب.

يطير رأس رفيق يحارب بجواك، فتتحسس رأسك شاكرا السماء، لانه لم يكن رأسك أنت الذي طار .

الأمر يختلف هذه المرة .

رأسك ورأسه سيطيران .

مد الزنجي يده وأمسك بفروة رأس عبد الله، لكي يتيح لليد الاخرى ان ترفع المدية وتضرب العنق .

اطلق صاحبك المذبوح غرغرى كالخوار، وانبجست من عنه نوافير الدم .

اطبقت فمك تكتم صرختك، وانت ترى دم صاحبك ينتال على رأسك ويغطي وجهك.

ارتطم رأسك ارتطاما موجعا بجذع الشجرة وانت تهزه بقوة، من أجل ان تنفض الدم من فوق عينيك.

رأيت من خلال قطرات الدم العالقة باهذابك، القاتل وهو يمسح مديته في ثوب الرجل القتيل، ثم رأيته يتحرك، تاركا كما هو النظام، جارك الافريقي، ليقف أمامك.

رأيته يضع عينيه في عينيك، فأشحت ببصرك عنه، ووجدت نفسك، كما هو حالك في لحظات الخطر، تستنجد بولي صالح من أولياء بلادك هو سيدي عبد السلام الأسمر، تكرر اسمه هامسا، ياسيدي عبد السلام، يا سيدي عبد السلام، يا سيدي عبد السلام
إنه يرقد في ضريحه بمدينة زليطن بعيدا عنك، تفصل بينك وبينه انهار وغابات وصحارى، ولكن المسافات لن تكون حائلا دون وصل هذه الاستغاتة إليه.

رفعت عينيك إلى سما مفتوحة فوق هذا الفناء، كانك تتفقد الطريق الذي ستسلكه روحك إلى عالم الصمت الأبدي.

ترى مال ذي ينتظرك الآن خلف حجب الموت السوداء.

انتهى بالنسبة لك عناء الانتظار لمعرفة الجواب على هذا السؤال.

لم تبق غير ثوان حتى تنكشف أمامك أسرار وطلاسم ذلك العالم المجهول.

اصطدمت عيناك بأشعة الشمس العمودية.

رأيت الزنجي يمد يده ليفعل معك ما فعله مع صاحبك عبد الله عندما وضع قبضه في فروة رأسه، فاردت أن تعفيه من هذه المهمة، وتعفي نفسك من هذا العناء، فرفعت رأسك بأقصى ما تتيحه المسافة التي بينك وبيني السور، ومددت عنقك بأقصى ما تستطيع متيحا للسكين فرصة أن يؤدي عمله بسرعة وإتقان دون حاجة من القاتل للإمساك بشعر رأسك، واغمضت عينيك هاربا من رعب ما ترى.

دارت الدنيا في رأسك، ودار معها الزمن دورة سريعة تربط بين يوم مجيئك إلى الدنيا، الذي لا تعيه الا من خلال ما سمعته من كبار نساء العائلة، وبين هذه اللحظة وقد آن لك ان تغادرها.

لم يزغرد أحد زغاريد الفرح يوم ولدت، فقد جاء مولدك، متزامنا مع دخول جيش الغزو الإيطالي إلى قريتك.

كان دخولهم مصحوبا بحملات انتقامية تداهم البيوت بحثا عن رجال المقاومة، فامتلات الطرقات بصراخ الأطفال وعويل النساء النائحات.

استقبلتك الدنيا بالنواح يوم مولدك وصار النواح قدرا يصاحبك مثل ظلك على مدى العمر
ولكن لماذا يتأخر الرجل كل هذه المدة في تسديد ضربته القاتلة؟ لماذا يصبح هذا الجزء من الثانية الذي يفصل بين ارتفاع السكين وهبوطه فوق العنق، دهرا؟ كنت قد لاحظت أن زميلك في الأسر الذي تخطاه زنجي الموت، يبتسم لأنه نجا من القتل، ولذلك فقد اذهلك، أن تسمع الآن صرخة مفزعة، موحشة، صادرة عنه .

فتحت عينيك لترى ماذا يحدث، فإذا بالزنجي، لأول مرة يخالف النظام الذي بدأ به
يتركك دون سبب مفهوم، ويعود الرجل الإفريقي الذي كان يبتسم، فيمسك بفروة رأسه بدلا منك.
أطلق الرجل الذي باغته الأمر، صيحته المفزعة عندما رآى حد السكين يلمع في مستط ضوء الشمس، قبل ان يهبط فوق عنه، لينبجس فيض من دمه، ويغطي أمامك الفضاء وقرص الشمس.

شيء كأنه الإغماء أصابك.

ادركت لفورك انك قد نجوت.

مضت برهة قبل أن تعرف على وجه اليقين ان الرجل فعلا تراجع عن قتلك.

تخطاك ومضى يعالج بمديته اعناق ضحايا آخرين.

إنها وإن كانت نجاة مؤقتة، جاء بها موقف عبثي لا تفسير له، فانت مازلت ترى فيما حدث معجزو بكل المقاييس، مدركا أن العناية التي ابعدت عن عنقك مدية الجزار لن تتخلى عنك هذا اليوم، وأن سيدي عبد السلام الذي استنجدت به، سينجيك من مذبحة هذا النهار .

حدس يتناقض مع حقيقة أن حفلة القتل مازالت قائمة، والرجل الذي يتولى القتل بفرح وحشي، لا تحكمه أية قاعدة، إنه حتى وإن لم يقتل الجميع الواحد تلو الآخر، فماذا ذلك إلا لإضفاء شيء من الإثارة على أسلوب القتل، وذلك بتقسيم ضحاياه إلى وجبتين
لم يكن الاغماء كاملا، فقد كنت تستطيع أن ترى من خلال اطباقة عينيك التي لم تكتمل، كل ما يدور.

كان الدم البشري الذي يلطخ وجهك، قد دخل فمك، واستقرت زناخته على طرف لسانك.

خص الكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه "الصحراء المغربية" بنشر فصول من الرباعية الروائية الجديدة »خرائط الروح«، التي انتهى أخيرا من إنجازها، ليطلع القراء على هذا العمل الأدبي الكبير لصاحب الثلاثية الشهيرة "حدائق الليل"، التي اعتبرها النقاد علامة بارزة في تاريخ تطور السرد الروائي العربي.

"خرائط الروح"تحكي ملحمة الحب والحرب، التي عاشها بطل الرواية عثمان الحبشي، بادئا رحلته من واحة في صحراء الحمادة الحمراء »أولاد الشيخ«، متنقلا إلى مدينة طرابلس، ثم إلى أديس أبابا، أثناء الحملة الإيطالية على الحبشة، ثم إلى القاهرة والصحراء الغربية، خلال الحرب العالمية الثانية، حيث تغطي الرواية حقبة تاريخية عاشها أبطالها في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كانت ليبيا ترزح تحت سيطرة الحكم الفاشي الإيطالي، ثم عهد الحماية البريطانية في الأربعينات، ثم بدء نشوء الدولة الليبية في مطلع الخمسينات.

رواية يمتزج فيها الواقع بالخيال، والتاريخ بالفانتازيا، في أسلوب أحمد إبراهيم الفقيه، الذي ينبض بروح الشعر، منطلقا من الواقع دون أن يكتفي به، وإنما يضيف إليه من أعمال الخيال والحلم والحدس والذاكرة، ما يضمن للقارىء متعة المشاركة والتلقي والتفاعل مع أحداث هذه الرواية الملحمة .

فأحسست بأمعائك تصل إلى حلقك، وتنبهت إلى أن الشمس تقف تماما فوق رأسك، وكأنها اختارتك أنت بالذات هدفا لأشعتها، التي صارت تهبط عليك حارقة، لاسعة، كأنها صهريج من نار .

اعتبرت ان ما يحدث لك الآن ليس إلا تمرينا أوليا على حياة أخى تنتظرك وسط الجحيم، وتابعت بأعصاب أتلفها الفزع، مشهد المجزرة التي تدور في الفناء، وانتقال القاتل من أسير إلى آخر، حتى اكمل مهمته ورمي المدية، واطلق زغرودة المحاربين التي سبق أن سمعتها من المقاتلين الأحباش، فجاء جنود آخرون من خلف السور يشاركون مع الحراس في إطلاق الزغاريد .

انتهى ذلك اليوم دون أن تموت.

دون أن تتحول إلى جزء من الدم الأسود المتختر الذي يختلط بتراب الفناء، ودون أن تعرف حتى هذا اليوم، لماذا وفي اللحظة الأخيرة، وقبل التقاء المدية بحبال الرقبة، ابقى عليك ذلك الرجل الذي يشبه هيكلا عظميا شديد السواد.

انتهت وليمة الدم، بمثل ما انتهت بعدها فترة الأسر، دون أن ينتهي تأثير ذلك اليوم في نفسك، ومن تركه من ندوب في عقلك وقلبك.

لقد ظلت نقطة سوداء في الذاكرة، ماكان لشيء يأتي بعد ذلك أن يقدر على محوها
كنت كمن عاد إلى الحياة بعد أن سافر إلى عالم الموتى.

لقد أفسد مذاق الدم في فمك، ذلك اليوم، شهية الحياة لأيام كثيرة بعد ذلك، وغيرت تلك اللحظة نظرتك لأشياء كثيرة في الحياة تشمل القيم والأفكار والمشاعر والانفعالات، وصارت حدا فاصلا في حياتك بين عهد وعهد وعمر وعمر، أحسست كأنك كبرت في لحظة واحدة عشرات الأعوام وتغير تبعا لذلك كبرت واتسعت رؤيتك لمعنى الحياة وتبدل فهمك لكل ما يتصل بالهلاك والنجاة، والفشل والنجاح، والحق والباطل والخير والشر والسعادة والشقاء والألم والمتعة، لأن كل هذه الأشياء، ارتدت ثوبا واحدا، وصار لها معنى واحدا ولونا واحدا في تلك اللحظة الفارقة الفاصلة بين الموت والحياة .

(يتبع في عدد يوم الجمعة)




تابعونا على فيسبوك