المسرح الأمازيغي: الإرهاصات والتحول

السبت 28 يناير 2006 - 12:10

حاليا، لا يمكن أن نجادل في وجود اعتراف رسمي للجهات المسؤولة عن الثقافة في المغرب، بوجود مسرح أمازيغي منظم، لأن بعض الفرق المسرحية المنحدرة من وسط لغوي أمازيغي قد استفادت من منح الدعم، كما هو أمر "مسرح محترف كوميديانا" بإنزكان مثلا.


في المسرح، هناك نظريات تؤكد بأن الممارسة المسرحية مورست بأشكال بدائية منذ القدم، وبالتالي، نتج عن تلك الممارسة غير المنظمة ما يسمى في أدبيات النقد والتأريخ المسرحيين بالأشكال ما قبل المسرحية.

المسرح الأمازيغي نفسه عاش تلك الظاهرة، لأن عدة أشكال ماقبل مسرحية مورست وماتزال تمارس في سوس مثلا، وهيأت بشكل قبلي المتلقي لتقبل الانتقال إلى مسرح منظم.

من تلك المظاهر الإرهاصية، نذكر طقوس "بيلماون" الموازية لعيد الأضحى، لنشير الى وجود عدة كتابات غربية حول الظاهرة، رابطة إياها بممارسات شبيهة، امتدت على طول حوض البحر الأبيض المتوسط، وهي محاولة تسعى إلى دراسة أوجه الثقافة والفكر المشترك بين دول المجال الجغرافي المذكور.

الباحث والدكتور عبد الله حمودي، كان ولايزال من الأوائل الذين اهتموا بالظاهرة، من خلال ملاحظاته ودراساته لطقوس "بوجلود" بمنطقة ايت ميزان، نواحي مراكش، في كتابه القيم La victime et ses masques) ، والذي أشار فيه إلى معلومات مهمة حول طقوس الظاهرة، خاصة منها تلك التي لم تعد ممارسة كمكمل أساسي لـ "بيلماون، بوجلود، هرمة" وهي كلها تسميات لمسمى واحد.


لقد ذكر بأن عرضا مسرحيا بالأقنعة كان يشكل جزءا أساسيا من الممارسة، عبر مسرح تحضر فيه شخصية اليهودي بشكل سلبي، ويحضر فيه المسكوت عنه خاصة على مستوى الجنس والتعابير الخاصة به.

طقس آخر يشبه "بيلماون" في ارتباطه بالأقنعة، ويتعلق الامر بـ "أوصوابن" الذي يلعب في الأصل خرقا طفيفا للطابع المحافظ للأسرة الأمازيغية، فيمكن الشاب من اختيار عروس المستقبل بشكل محترم، كما يمكن الإخوة وأبناء العمومة من الحديث بتلقائية وتحرر، وتوقيف مسألة التراتبية على مستوى المجالسة بين الذكور
في تيزنيت، يمارس طقس آخر يسمى "إمعشارن"، وهو يوازي أعياد عاشوراء، يعتمد بدوره على الأقنعة، بحرفية أجمل، ويلعب نفس وظيفة الكدية التي يلعبها حاليا "بوجلود"، وهو احتفال ليلي عكس الأول، ينتهي بإشعال نيران في ساحة ما كالمشور، والدوران حولها.

البعض قد يجد في "امعشارن" إحالات على طقوس شيعية معروفة، لكن الأهم هو شروط التمسرح التي يضيفها الطقس المذكور حفلات الزواج بدورها لاتخلو من مسرح وتمسرح، ففيها حضور لجل مظاهرهما، وهي ظاهرة لا تختص بها البيئة الأمازيغية فقط، بقدرما هي كونية.

المهد الحقيقي للمسرح الامازيغي يمكن ان نحدده في "الحلقة"، فمن هذه الاخيرة نبع المسرح المسجل على الاوديو، كأعمال "المرحوم فارس باقشيش"، "العربي الهداج"،"تيفاوين"، "كيلو".

لا يجب كذلك نسيان المسرح الاذاعي، فقد كان حاضرا على مستوى مصلحة اللهجات بالإذاعة الوطنية قسم تاشلحيت، وكانت المسرحيات الإذاعية تذاع ليلة كل أحد، إذ لن تتوقف تلك الانتاجات إلا في حدود أواخر الثمانينيات، مع الإشارة أيضا الى مسرح الطفل الإذاعي المتميز، الذي دشنه المرحوم "عبد الله الناظيفي" في الحلقات الإذاعية "عمي موسى". في السنوات الأخيرة، أسست تجارب مسرحية في كل من الرباط، البيضاء، إنزكان، أكادير

وكلها تسعى إلى الرقي بمستوى الممارسة المسرحية الأمازيغية، و لو في ظل تقلص الإمكانيات والوسائل المتاحة، لكن الأساسي في العملية أن التفاؤل يبقى مطروحا بصددها، خاصة وأن لها جمهورا، بل ولها إمكانية مهمة لإعطاء نقطة انطلاق دراما أمازيغية بناءة، تزيل عنها رواسب العفوية والممارسات الماقبل مسرحية، وإن جاز لها توظيفها من جديد في قراءة ثانية وحداثية، دون البقاء في اسر البعث الآلي الجامد للتراث، وهنا نشيد بحرارة بمسرحية "حمو أونامير" لمحترف "كوميديانا"، التي جمعت بين النحت والمسرح، من خلال توظيف حداثي لشخصية "أونامير"، ينصب في العمق نحو تأكيد صعوبة استنساخ ماهو جميل، خاصة على مستوى الفن، وهو موضوع جريء وقابل لنقاش مستفيض
لكن مايمكن أن يعاب حول تلك الفرق المسرحية المنظمة، أنها تناست الاهتمام بالانطلاق من الاقتباس قبل الابداع، لأن الساحة خالية الآن على مستوى كتاب النصوص المسرحية الامازيغية، وطيلة مدة الانتقال من ثقافة شفوية إلى التدوين، لم يتم طبع سوى نص مسرحي واحد "أوسان صميدنين" للصافي مومن علي.

حدث اقتباس في حالات نادرة، كما هو أمر مسرحية عطيل لشكسبير مثلا، وهي من انتاجات القناة الثانية "دوزيم"، لكن تفكك ذلك العرض، وغياب "مغربة" النص المقتبس من خلال الابتعاد عن نسخه الحرفي، يثبتان أن الكتابة المسرحية غير ناضجة بعد، وبالتالي يحتاج الاقتباس الى دربة وتجربة في ممارسة الكتابة المسرحية، أو على الاقل امتلاك ثقافة مسرحية تتجاوز الاوليات السطحية التي تفتقد التقويم والتعزيز، من خلال التكوين، سيما داخل الفضاء الجمعوي في غياب المؤسسات التربوية الخاصة بالمسرح، علما بأن المعهد العالي للتنشيط المسرحي لا ينظر إليه كخيار لما بعد البكالوريا في معظم أقاليم المملكة، خاصة الجنوب منه.




تابعونا على فيسبوك