مأزق المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية

تحدي التوفيق بين المرجعيتين العربية والكونية

السبت 28 يناير 2006 - 11:46
مغلف كتاب المواطنة والديمقراطية

"الإخلاص في العمل، والالتزام بالأنظمة والقوانين، والمحافظة على المرافق والممتلكات العامة، والمساهمة في الأعمال التطوعية، وتحسين صورة الوطن بالخارج، والفخر بالانتماء للوطن"، هي أبرز نتائج أفرزتها دراسة أعدها مركز عربي في الخليج العربي حول أسس مفهوم المواطن

وبديهي أن موضوع المواطنة لم يكن من أولويات الساحة الثقافية العربية منذ بضع سنوات فقط، وتحديدا في حقبة ما قبل التفجيرات الإرهابية التي عصفت بالعديد من الدول العربية.

لم نجد أفضل من التأكيد على مدى أهمية الكتاب ضيف هذا العرض، ويحم عنوان "المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية" تحرير علي خليفة الكواري والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت.

اعتمدنا على طبعة 2004 تفرعت فصول الكتاب على ستة عناوين وجاءت كالتالي : "في الدولة الوطنية" علي خليفة الكواري، متبوعا بتعقيب لجورج القصيفي "إعادة النظر في المفهوم التقليدي للجماعة السياسية في الإسلام: مسلم أم مواطن" لعبد الوهاب الأفندي، مع تعقيب لبشير موسى نافع "حول المواطنة والنموذج السياسي الإسلامي التقليدي"، مبدأ المواطنة في الفكر القومي العربي: من "الفرد القومي" إلى "الفرد المواطن" لخالد الحروب، مع تعقيب لمحمد هلالي الخليفي، "مبدأ المواطنة في البلدان العربية" لعلي خليفة الكواري، فيما يعتبر أحد أهم فصول الكتاب، إن لم نقل أنه أحد أبرز ما حرر حول الموضوع في الساحة العربية، ونحن نأخذ بعين الاعتبار الاجتهادات الجبارة التي حررها المستشار المصري طارق البشري حول إشكالية الأقليات القبطية مثلا، في الساحة المصرية وغيرها من الاجتهادات، ولكن المتأمل في هذا الفصل بالذات لا يسعه إلا أن ينوه بمضمون فصل قيم ومهم جدا، ويعود هذا التنويه من وجهة نظرنا إلى تميز هذا الفصل بمنهجية تكاد تكون غائبة في أغلب ما نحرره في الساحة العربية ليس حول مفهوم المواطنة وحسب، وإنما حول أي قضية إشكالية مفاهيمية معقدة التناول والتقييم والتفكيك.

ما قام به الكواري لم يخرج ـ بيت القصيد ـ عن طرح الأسئلة، ولا شيء غير طرح الأسئلة، وذلك من باب فتح باب المناقشة في الملتقى إياه وتحفيز المشاركين عليها، وقد أحصينا ما لا يقل عن تسعين سؤالا في الموضوع بالعودة إلى باقي عناوين فصول الكتاب، فقد جاء الفصل الخامس تحت عنوان: "نساء ديمقراطيات بدون ديمقراطية؟ النسوية والديمقراطية والمواطنة: حالة الأردن" لفادية أحمد الفقير وتعقيب لعبد الحميد إسماعيل الأنصاري وأخيرا "المواطنة المتساوية : اليمن أنموذجا" لسمير عبد الرحمن الشميري.


إشكالية المرجعية الغربية يحمل الكتاب تجربة جديدة ضمن تجارب لقاء أكسفورد الشهير، والذي يعرف مشاركة العديد من المفكرين والباحثين العرب من داخل وخارج الرقعة العربية بداية، يجب التنبيه إلى مأزق منهجي خاص بالنموذج المحتذى به بخصوص التعاطي مع مفهوم المواطنة.

ومعلوم أن أغلب الدراسات والأبحاث العربية تعتمد، في ما يتعلق بإسقاط هذه المفاهيم على المجال التداولي الإسلامي العربي، على مرجعيات غربية، أوروبية بالدرجة الأولى، باعتبارها تجربة تاريخية تحظى بشبه إجماع على أفضلية تقليدها حركيا، كما نستشف ذلك من هذه الدراسات، وبما أن حق المواطنة الكاملة يندرج ضمن منظومة حقوق الإنسان بمرجعيتها الأنوارية (نسبة إلى الفكر الأنواري)، بكل الترويج الأكاديمي والفكراني والإعلامي.

المروج بخصوص سمو ونبل هذه الحقوق الإنسانية، انطلاقا على الخصوص من ورقة "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" والذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10-12-1948.

والحال أن المرجعية الغربية الأوروبية لهذه القوانين لم تسلم من انتقادات جمة يمكن تلخيصها في نقاط ثلاث على الأقل من النقاط الخمس التي سطرها الباحث المغربي مصطفى محسن: هناك أولا المرجعية الغربية لهذه الحقوق، وعليه فإن "كونية وشمولية" هذه الحقوق تظل في حاجة إلى المزيد من التساؤل والمراجعة النقدية، وهناك ثانيا مأزق التوظيف السياسي والاستثمار الفكراني العلني والمقنع لهذه الحقوق، وأخيرا، تبقى القارة الأوروبية التي أصبحت المصدر الفكري والسوسيوتاريخي والحضاري لنشأة وتطور هذه الحقوق، هي نفس القارة التي كانت، في نفس الوقت، أكبر قوة استعمارية أذاقت شعوب الأرض مرارة الاستعمار والحرب والاستغلال.
مصطفى محسن
إشكالية التربية على المواطنة وحقوق الإنسان بين الفضاء المؤسسي والمحيط الاجتماعي ضمن كتاب "عالم التربية" المخصص لمحور التربية على المواطنة وحقوق الإنسان العدد 15. الجديدة 2004 ص 249 نطلع على نفس الرؤية النقدية في المرجعية الغربية الأوروبية لهذه القوانين في قراءة الباحث التونسي رفيق عبد السلام بوشلاكة كما جاءت في معرض مناقشته لمداخلة علي خليفة الكواري التي تحمل عنوان "في الدولة الوطنية"، والذي نوجز وقفاته النقدية الثاقبة في نقاط ثلاث : ـ ارتباط مفهوم المواطنة بتحديد السيادة القومية للدولة، مما يشكك في مزاعم عالمية وكونية المفهوم كما يدعي الخطاب الليبرالي.

ـ ولد الخطاب الليبرالي الغربي مسكونا بنوع من التناقض بين فكرة المواطنة والحاجة إلى التوسع الإمبريالي الخارجي فاقتضى الأمر تأكيد مبدأ المواطنة داخل الحدود القومية وتغليب فكرة القومية، أو المجد القومي على المواطنة خارج الحدود القومية.

ـ تضخم سلطات الدولة القومية الحديثة بأجهزتها الديمقراطية إلى جانب قدرتها الفائقة على التحكم في وعي الناس مع انبثاق النسق الرقابي والعقابي بما يضعف "المواطن الحر والرشيد" الذي تحدث عنه الخطاب الليبرالي التقليدي.

وإذا أقررنا بأن المفهوم المعاصر للمواطنة قد نشأ في رحم المجتمع الغربي، فإن تطبيق هذا المفهوم في الواقع العربي اليوم يطرح نقطتين رئيسيتين أشار إليهما الباحث جورج القصيفي : تتعلق الأولى بطبيعة نمط الدولة العربية الحالية، فهل هي دولة المؤسسات كما نشهدها في الغرب، أم دولة العصبيات، بتعبير ابن خلدون، وتتعلق النقطة الثانية بطبيعة المقاربة القومية والإسلامية لمفهوم المواطنة في الوطن العربي والأمة الإسلامية.

جورج القصيفي بالمناسبة هو رئيس قسم التنمية البشرية، شعبة قضايا التنمية الاجتماعية وسياساتها في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الأسكوا"وهذا يحيلنا بشكل مباشر على ما سطرته مداخلة كل من خالد الحروب الذي اشتغل على تفكيك المفهوم انطلاقا مما جاء في مقاربات الفكر القومي العربي في القرن العشرين تجاه مبدأ المواطنة في إطار تناول هذا الفكر ونظرته لموضوع الديمقراطية بشكل عام، وعلى ما سطرته مداخلة عبد الوهاب الأفندي بخصوص مقاربات الاجتهادات الإسلامية للمفهوم ذاته.

المواطنة في الفكر القومي يلاحظ الحروب أن مبدأ المواطنة لم يحظ بمعناه الحديث القانوني والديمقراطي بتأصيل عميق في الفكر القومي العربي التقليدي في القرن العشرين، ليس هذا وحسب ـ يضيف الباحث في جامعة "كامبريدج" البريطانية ـ فكسائر المفاهيم المتعلقة بالديمقراطية، أو المؤسسة لها، كمركزية الفرد مثلا مقابل مركزية الجماعة، ظل هذا المبدأ مهجورا في النظرية القومية العربية، والأخطر منه أنه ظل بعيدا عن التطبيق والممارسة في الدول التي حكمتها أنظمة قومية التوجه، كما في غيرها على حد سواء، وقد خصص الجزء الثاني من مداخلة الحروب للتوقف عند أهم أسباب التقزيم التي تقف وراء غياب هذا المبدأ في تنظيرات القوميين، ويلخصها في ثلاثة محاور نتوقف بدورنا عند أهم ما جاء فيها : ـ غلبة تنظيرات دور الدم واللغة والتاريخ في تشكيل الوعي القومي على حسابات تنظيرات الحقوق والواجبات في تشكيل أي مجتمع حديث
ـ ضغط أولويات التخلص من الاستعمار والتبعية للخارج، وبناء دولة ما بعد الاستقلال
ـ الموقف المتشكك الذي اتخذه الفكر القومي الكلاسيكي من قيام ديمقراطية عربية في الدول التي سماها دول "التجزئة القطرية" .

المواطنة في الأدبيات الإسلامية لقد لاحظ أحد المتتبعين أن أي مشاركة سياسية للإسلاميين "لا بد وأن تنطلق من مفهوم المواطنة الذي يلغي تلقائيا مفهوم الأمة
ونحن نعلم مدى حضور الأمة في المرجعية الفكرية لهذه الحركات"، ثم إن اللعبة السياسية، تتميز بغلبة "المنطق السياسي على حساب المنطق الديني، حيث يتم استحضار منطق التوازنات الدولية والجهوية والوطنية ومنطق المصلحة الوطنية على حساب منطق ومصلحة الأمة".

جاء ذلك في معرض مناقشة مبحث يحمل عنوان "الحركة الإسلامية بين الواقع والشعار" للباحث المغربي المصطفى تاج الدين، ونشر في موقع "الشهاب" على شبكة الإنترنت ولاحظ باحث آخر أنه ليس بالأمر الجديد على الجماهير العريضة أن يكون "الإسلام دائما هو العلامة الأساسية المميزة لهويتها الجماعية، وكان الانتماء للجماعات الدنيوية الأخرى كالوطن أو الطبقة أمرا ثانويا يضاف للانتماء الإسلامي.

أما الشعوب التي لا توجد فيها أقليات دينية تستحق الذكر، فيلتقي عندها الوعي الوطني والهوية الدينية في وحدة واحدة".
معتز الخطيب لماذا يتغذى العنف على الإسلام : مشكلات الوعي والواقع الحياة لندن 1/10/2005 .

أما عبد الوهاب الأفندي فيرى بأن المفكرين الإسلاميين المتأخرين اتجهوا إلى التأكيد على اعتبار المجتمع الإسلامي الموقع الأساس للولاء وقاعدة العمل السياسي، ويستشهد الأفندي برفض المتشددين من أمثال أبي الأعلى المودودي وسيد قطب للحلول الوسطية المبكرة، عندما جادلوا باقتصار المجتمع على المسلمين، مضيفا أنه من وجهة نظر الإسلاميين عموما، يبقى مفهوم الدولة الإسلامية مجموعة سياسية تم إقرارها عقائديا، وتمتلك نظرة عامة لا تعترف بالعرق وما شابه من أسس كقاعدة للمواطنة، من منطلق أن مجمل القاعدة الأخلاقية للدولة القومية الحديثة المستندة إلى مبادئ نفعية وولاءات عرفية وقومية ضيقة هو النقيض تماما للدولة الإسلامية الحقة التي تسمو فوق الولاءات الضيقة وتتجه نحو عموم الإنسانية ولا تعترف بغير سلطة الله
كان محقا عبد الوهاب الأفندي عندما أشار إلى أن المحاولات الإسلامية لإعادة تعريف العقيدة لاحتواء المطالب الحديثة للمواطنة المتساوية تسير في الاتجاه الصحيح، لكنها برأيه لا تبلغ الآن المدى المقبول، لولا أن الباحث يتحدث تحديدا عن تيار "الإسلاميين الجدد"، والذي يضم مجموعة من الأسماء الإسلامية الوازنة من قبيل طارق البشري وأحمد كمال أبو المجد ومحمد سليم العوا وفهمي هويدي. وليس الإسلاميين التقليديين، سواء تعلق الأمر بالتقليديين القدامى" أبو الأعلى المودودي وسيد قطب
أو "المعاصرين"، والأدهى أن الشارع العربي والإسلامي يميل أكثر إلى الانصياع لخطاب "القدامى" و"المعاصرين" على حد سواء، أما اجتهادات البشري والعوا وأبو المجد، فلا زالت حبيسة الندوات العلمية واللقاءات الفكرية، ناهيك عن الاتهامات التي تروج لهذا التيار من قبل التقليديين، وخاصة من قبل السلفيين، وفي مقدمتها تمرير تهمة "العصرانية"، أي التيار الذي يجتهد في التوفيق بين النص والواقع، بعيدا عن النزعة السلفية والفكرانية على حد سواء.

لا يسعنا إلا الإشادة بعمل علمي جاد نحن في أمس الحاجة إلى تقليد منهجيته في التعاطي مع إشكالات عربية وإسلامية لازالت معلقة ومتنازع عليها من قبل فكرانيات الساحة.




تابعونا على فيسبوك