قاع الخابية لعبد اللطيف اللعبي

السبت 28 يناير 2006 - 11:33

في (قاع الخابية)وهي الترجمة العربية لرواية : (le fond de la jarre) الصادرة عام 2002 عن دار النشر الفرنسية (غاليمار) يعود بنا الكاتب والشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي إلى ذكريات الطفولة بمدينة فاس، مستعيدا مجموعة من الأحداث والشخصيات التي طبعت جزءا من حيا


حالات عانى منها جيل من المناضلين المغاربة، واللعبي واحد من بينهم، وكان من المستحيل الكتابة والإبداع فيها و"شرطي يقف على رأسك" كما يقول اللعبي نفسه في إحدى تصريحاته.

وبعودة الحياة الطبيعية إلى المغرب وبداية تصفية ملف "سنوات الرصاص" والتصالح مع الماضي لاستشراف المستقبل المغربي، مستقبل الديمقراطية والحرية، التي لا غنى عنها في كل إبداع، تفتقت المواهب وانطلقت الأقلام للكتابة عن تلك الفترة الحالكة من تاريخ المغرب، أفرزت ما تعارف عليه بعض النقد بـ "أدب السجون" الذي تميز به الإبداع المغربي عن غيره في باقي البلاد العربية على الرغم من أن عبد اللطيف اللعبي كتب الكثير عن السجن والاعتقال من الأعمال الإبداعية التي تراوحت بين الشعر والرواية والقصة والمسرحية، إلا أن اللعبي لا يعتبر نفسه كاتب سجن بل هو كاتب ومواطن يدافع ويحارب من جديد من أجل المواطنة ومن أجل الإسهام في تطوير المجتمع وتقدمه نحو الأحسن.

بعد أن هدأت العاصفة، واستعاد الشاعر المبدع حريته وتوازنه النفسي وبات يتنفس ملء رئتيه هواء طيبا داخل المغرب وخارجه، وأعيد للرأي وللتعبير والإبداع قيمته ومكانته الطبيعية، استطابت روح الشاعر المبدع وعادت سنوات إلى الوراء، زمن الطفولة والخطوات الأولى في الحياة، ليبدع رواية (قاع الخابية).

تبدأ فصول الرواية التي تقع في قرابة 300 صفحة من الحجم المتوسط، يوم كان بفاس وسط عائلته، وقتها تم الإعلان عن سقوط جدار برلين على شاشة التلفزيون ليشد الخبر اهتمامه في وقت كان أفراد العائلة المجتمعين في بيت الأب داخلين في حركة هرج ومرج كتعبير عن فرح اللقاءات.

ودون الاكتراث بهذا الحدث الذي سيهز العالم، كان اهتمام عائلته الصغيرة منصبا على موضوع يكتسي في نظرها أهمية أبلغ، وكأنه شأن خطير من شؤون الدولة: الغياب اللامبرر والمزمن للأخ البكر، بدأت حكايته إبان فترة الاحتلال الفرنسي للمغرب وكان باستمرار مشاكسا لهذا التواجد الأجنبي مما جر عليه الكثير من الملاحقات والمتابعات والمشاكل: تقول الأخت الكبرى ردا على هذا: "من ذا الذي لا مشاكل له؟ ولو لم يأت منذ سنوات لزيارة سيدي (تقصد أبي) حتى الكلب لا ينسى أهله".

لكن أحداث الرواية تدور حول شخصية رئيسية إنه (ناموس( ناموس الولد المشاغب الوغد الذي اكتشف نفسه واكتشف الحياة منذ وطأت قدماه أرضية المدرسة، من خلال مسيرة الولد الذي اقتحم عالم المعرفة والتعلم تلك الأجواء التي كانت تحيم على المدينة فاس وعلى المغرب بشكل عام.

فرنسيون وجزائريون كانوا يدرسون الفرنسية بالمدارس المغربية، فاس التي أعطت أسماء وقادة للعمل الوطني كعلال الفاسي وبلحسن الوزاني وكيف كان الأهالي يتشبثون بهؤلاء الزعماء، كيف كان ينظر إلى المقابلات بين الفرق كرة القدم إلى حد اعتبار بعض المباريات بين الفرق أنها مباراة بين الوطنية والاستعمار، وكذلك الشأن في ما يخص الذهاب إلى السينما، كيف كان المواطنون ومن كان في فلكهم يجندون الأفلام العربية القادمة من المشرق العربي وكيف كان آخرون يفضلون تلك الآتية من هوليوود وغيرها، لكن من يكون ناموس هذا؟ يقول الكاتب إن الجواب الذي يفرض نفسه، غير متوقع لحسن الحظ، هو التالي : ناموس، هو جدي الأول وإبني أليس في هذا استمرارية؟ نوع من السيرة التي يتقاسمها الكثير، وعن لغز "قاع الخابية" مدلوله ومفهومه، يقول الكاتب إن أصل العبارة يعود إلى نادرة من نوادر جحا الشهير.

تختتم الجلسة العائلية في بيت الأب لتختم معها الرواية على حوار طريف دار بين بعض الحاضرين وقد انتبهوا إلى الأخبار عن سقوط جدار برلين فيقول إدريس الذي كان دائما مهتما بالسياسة بأنه : "لا يمكن أن يكون إلا هكلر الذي أمر بإسقاط هذا الجدار"
ليرد عليه : "لا، يا أبي، لقد مات هتلر، محاولا التصحيح".

ومع ذلك تبلغ الطرافة منتهاها حين يصر إدريس على موقفه في نهاية الرواية بالقول بأن هؤلاء لم يجدوا ما يحكونه لنا غير جدار يسقط ربما لم يكن صلبا بما فيه الكفاية، أما أسوار فاس فهي، بجهد الله، مازالت واقفة.

ـ "قاع الخابية" صدرت مترجمة إلى العربية عن دار الثقافة، للنشر والتوزيع بالدار البيضاء، ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب، وبدعم من قسم الكتاب بالسفارة الفرنسية بالرباط، تولى الترجمة حسان بورقية، كاتبها عبد اللطيف اللعبي، شاعر وروائي من أهم الأسماء المؤسسة لتجربة الكتابة باللغة الفرنسية بالمغرب وقد أعطاها من تجربته الإنسانية ومسار حياته كمناضل ومثقف ملتزم أنفاسا متميزة له الكثير من الأعمال الشعرية والروائية والدراسات النقدية باللغتين الفرنسية والعربية، كما ترجمت أعماله إلى لغات متعددة.




تابعونا على فيسبوك