تأشيرة نجاح لا تسمح بولوج معاهد عليا متخصصة

الأربعاء 28 يونيو 2006 - 14:11

يحتار التلاميذ مباشرة بعد حصولهم على شهادة الباكلوريا، عندما تطرح أمامهم مسألة التوجيه، حيث سرعان ما تتبدد الأحلام التي رسموها لمستقبلهم وهم يكدون ويجتهدون للحصول على " الشهادة "، وتتكسر أمانيهم على سندان مخاوف وقلق من فشل اختياراتهم لشعب التعليم العالي،

هي حيرة ترتبط بكيفية تخطيط التلاميذ لما وراء خارج أسوار التعليم الجامعي والنقط المحصل عليها، لدى البعض منهم بعد جهد جهيد، وهي نقط كذلك لا تسمح بالتقدم لاجتياز مباريات المعاهد العليا، لكسب نصف طريق العمل، وحتى هذا لم يصبح في المتناول لدى الكثيرين، بسبب عدم تكافؤ الفرص وطغيان المحسوبية والزبونية على حساب الأحقية التي كانت تخولها الشهادة.

وهكذا يجد التلميذ نفسه أمام شهادة بدون قيمة، ما دامت تشهد بالنجاح ولكن لا تخول إلى حد ما الولوج إلى اختيار مجال التكوين والتعليم المتوخى، وبالتالي فهذه الاعتبارات والشكليات تشهد بنهاية أو موت الباكلوريا، كما أكد على ذلك الدكتور إدريس قصوري في كتابه الذي يقارب أزمة الباكلوريا، والذي أبرز فيه أن "خلفية هذا النهج الذي تسلكه هذه الشهادة يهدف من خلاله القائمون على الشأن التعليمي في بلادنا إلى تحقير الجامعة المغربية وإفراغها من محتواها من أجل التكريس للتعليم الجامعي الخصوصي أو الجامعات الخاصة التي من المنتظر أن ترى النور في القريب"، وأرجع قصوري -أستاذ جامعي- ذلك إلى "إملاءات تقرير البنك الدولي الذي يعمل المسؤولون ببلادنا على تطبيقها بحذافرها" .

وفيما إذا كان التلاميذ على دراية بهذه الشروط في المراحل التي تسبق الباكلوريا، أكد لنا مفتش في التوجيه، على أن التلميذ "لا يكون مباليا بهذه التحديات في سنواته الأولى ويحاول قدر المستطاع تجاوز الفصول الدراسية بأي معدل، وهذا راجع في الأساس ـ حسب محدثنا ـ إلى غياب دور فعال لمراكز الاستشارة والتوجيه، حيث يرتمي التلميذ في بعض التخصصات والشعب التي لا توافق مؤهلاته الفكرية والعلمية، مما ينتج عنه صعوبة الحصول على نقط ومعدلات تمكنه بسهولة من ولوج مراكز التكوين الأقرب إلى طموحه المهني"، وشدد محدثنا في السياق ذاته، على "ضرورة أن يكون التوجيه منذ السنوات الأولى من التعليم الإعدادي، باعتبارها تهم كل المؤشرات التي تحدد المخطط التوجيهي الملائم للمستقبل" .

إن إهمال المؤسسات التعليمية لمسألة التوجيه وعدم وجود استراتيجية وطنية مضبوطة في تحديد عدد التخصصات التي تحتاج لها في هذا القطاع أو ذاك، هو الذي يمكن أن يترجم لنا من خلال استقرائنا في سياق الورقة التالية لآراء تلامذة، وجدوا ذواتهم خارج النسق السوي للمنظومة التربوية، وبهذا الخصوص أكد لنا سعد الخدير -تلميذ-، "أنني لم أحصل وزملائي على المعلومات الضرورية في الوقت المناسب، لأحسن اختياري، بحيث وجدت نفسي بعد اجتياز الباكلوريا مكثوف الأيدي، لا خيار لدي سوى مواجهة أهوال التعليم الجامعي، الذي لم يعد يحظى بيننا نحن الطلبة ـ يقول محدثنا ـ بالثقة والأمان" .

ومن جانبه أشار خالد مشماش، إلى أنه "حتى التكوين المهني الذي نعتبره نحن أبناء الطبقات محدودة الدخل، ملاذنا الأخير، لم يعد كذلك، فالعديد من التخصصات لم يعد سهلا الولوج إليها، بالنظر إلى ما يتطلب ذلك في بعض الأحيان من نفوذ ومعارف، مما يجعلنا مضطرين إلى دخول مسالك الكلية التي أصبحت في السنوات الأخيرة مشتلا لتفريخ العاطلين".

وفي خضم هذه الانتظارات وانسداد الأفق، هناك من يضطر من التلاميذ إلى الالتحاق بالمعاهد المهنية الخاصة، حتى ولو تطلب الأمر إثقال كاهل معيل الأسرة، وتضخيم مصاريفه رغم محدودية دخله، هذا ما يحدث عادة في العديد من الأسر التي تجد نفسها مرغمة على اتخاذ هذا المسار، حتى لا تجد أبناءها بعد السنوات الجامعية، يحتلون أماكنهم أمام البرلمان للاحتجاج عن عدم التشغيل وسوء تدبير ملف المعطلين، وهذا ما ذهب إليه أحمد بوراق -حاصل على شهادة الباكلوريا-، إذ فضل التسجيل في معهد لفنون التجارة وإدارة المقاولات، على أن يغامر في اتجاه تخصصات جامعية قد لا تخدم مصالحه وأهدافه، ولم يستبعد أحد الأصدقاء الذي كان بصحبته أن يتقدم لاجتياز امتحان الالتحاق بإحدى مراكز التكوين المهني، باعتباره ـ حسب محدثنا ـ الطريق الأسهل لولوج سوق الشغل، وهكذا بدا جميع التلاميذ الذين صادفناهم شبه متفقين على صعوبة المراهنة على الجامعة لتسطير تفاصيل مستقبل مهني واعد، وهذا ما يحتم على المسؤولين عن القطاع التعليمي ببلادنا أن يغيروا من استراتيجية اشتغال الجامعة المغربية، يقول الدكتورعبد الرزاق مونيس -أستاذ باحث في علم الاجتماع- ، ويضيف أن "مسألة تأهيل العنصر البشري أضحت ضرورية للتأقلم مع المتطلبات الآنية لعالم اليوم"، مبرزا أن نداء جلالة الملك للتنمية البشرية هو بمثابة الرهان الذي بإمكانه أن يفك العديد من الطلاسيم التي كانت تربك معادلات المغرب التنموية، وأضاف الدكتور مونيس "أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين من الصعب تنفيذ جميع بنوده بالكيفية التي يجب، مادامت آليات اشتغاله تتخللها العديد من النواقص، وأبرز بهذا الخصوص أن "محاولة إصلاح الجامعة المغربية عبر إجراءات شكلية وليست جوهرية، هو نفخ واه في قربة مخرومة" .

إن ما يمكن أن يبطل مفعول أي عمل تنموي، هو عدم وجود الأرضية الملائمة لأعمال وبلورة هذا العمل كي يعطي ما يرجى منه من نتائج، ومما لاشك فيه أن غياب استراتيجية توجيهية وطنية شاملة، تستجيب لمنطق العرض والطلب، في جميع القطاعات الإنتاجية، من الصعب أن نستشرف تنمية متكاملة ومتجانسة ومستدامة، إذ، فما دامت الحكومة لا تعطي الأهمية لخريجيها من الجامعات ولا تتوفر على دراسات ميدانية لإدماجهم في سوق الشغل بقطاعيه الخاص والعام، وما دامت لم تنجح في احتواء جحافل المعطلين أصحاب الشواهد الذين يتكاثرون سنويا، فمن الصعوبة بما كان أن تلتجئ في غفلة من هذا الوضع المزري إلى شق مسارات إصلاحية من الفوق، لأن الإصلاح لا يؤمن بالإقصاء والإهمال والتجاهل.




تابعونا على فيسبوك