الكوطا بين القناعات النسائية والخطابات الرجالية

الثلاثاء 13 يونيو 2006 - 17:45

السياسيون مؤمنون بضرورة مشاركة النساء بكثافة في الحياة السياسية لأن ذلك من صميم الإيمان بالديموقراطية، ولأنه لا تقدم للمجتمع دون إشراك " نصفه المقعد عن الحركة منذ سنوات طويلة " .

السياسيون في المغرب مقتنعون بأن النساء في المغرب فاعلات، واعيات بدورهن ولا أدل على ذلك من أنه استطعن الحصول على مدونة جديدة للأسرة تضمن حقوقهن وتزيل الكثير من الحيف الذي طالهن حين كان الرجل يستفرد بالسلطة ويمارسها بطغيان وتعسف كبيرين.

السياسيات مؤمنات بضرورة رفع سقف مشاركتهن في البرلمان لأن المسار الديموقراطي الذي اختارت الدولة الانخراط فيه ويتغنى الكثير من السياسيين بضرورة تطبيقه بحذافيره يكفل لهن ذلك.
النساء السياسيات مؤمنات بأنهن رهان المستقبل والرقم الصعب الذي لايمكن تجاوزه في الوقت الذي يتصاعد فيه حضور وقوة النساء في عبر العالم.

النساء مؤمنات بأنهن "عملة صعبة"، يجب أن يخطب أصحاب القرار ودهن وأن يمكنوهن من الوصول إلى "المراتب السياسية العالية" إذا ما أرادوا تلميع صورة البلاد لدى المنظمات والمؤسسات الدولية، لأن الزمن زمن عودة النساء والاحتفاء بهذه العودة.

هذه هي الصورة التي ترسمها خطابات رجال ونساء الأحزاب في المغرب حين يتحدثون عن مشاركة النساء في الشأن السياسي والحياة العامة عموما، غير أن الواقع يرسم صورة مغايرة تؤكد، أن الخطابات الرجالية لا ترتقي، إلا نادرا، إلى درجة القناعات، وأن القناعات النسائية لاتزال عاجزة لوحدها عن تغيير واقع يستعصي عن التغيير لأسباب ذاتية وبنيوية وأخرى مرتبطة بالذهنيات ومدى فعالية المرافعات النسائية دفاعا عن حقوقهن.

مناسبة الحديث هي الجدل الدائر حاليا حول تمثيلية النساء داخل البرلمان، والتي اتخذت الأحزاب والحكومة قرارا مشتركا بإبقائها في معدل 9،2 بالمائة 30 مقعدا في الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها العام المقبل، في حين أن الناشطات في جمعيات المجتمع المدني وحتى من داخل الأحزاب يطالبن برفعها إلى ثلث المناصب، أي بزيادة 79 مقعدا عن العدد الحالي للمناصب المخولة للنساء.

ويذهب مطلبهن أبعد من ذلك حين يجعلن ثلث المقاعد جسرا لبلوغ النصف، المطلب يبدو حلما صعب التحقيق لكنه لا يغني عن المحاولة وإسماع صوت النساء في وقت تهيء فيه جميع الأطراف بحسب طموحاتها وقدراتها أوراق لعبة انتخابات 2007 .

لكن المحاولة نفسها قد لا تفضي إلى تحقيق أدنى الأهداف المرجوة منها، لأن الكثير من الاختلالات تعتريها، وقد تعترضها الكثير من العراقيل.
ويكفي أن نتذكر بأن تحرك النساء جاء متأخرا بالنظر إلى الديناميكية التي تشهدها الساحة السياسية حاليا بالمغرب، ولم تتكون الحركة الجديدة التي تدافع عن حق النساء في ثلث مقاعد البرلمان والتي أطلق عليها اسم "الحركة من أجل ثلث المقاعد للنساء في المؤسسات المنتخبة في أفق المناصفة" إلا منذ ثلاثة أسابيع.

في حين أن مفاوضات الأحزاب والحكومة كانت على وشك الانتهاء وأعلنت نتيجتها، غير السارة بالنسبة إلى الحركة، أياما بعد تأسيس التكتل النسائي الجديد" .
النقطة المركزية الثانية في المعركة النسوية، هي إيمان النساء أنفسهن بأحقيتهن في الحصول على ثلث المقاعد في برلمان ظل رجاليا لسنوات طوال.

وقد يبدو نشازا صوت أو أصوات من داخل "الثلاثينية" البرلمانية يحمل المرأة مسؤولية الإخفاق ويرى في التحرك الأخير للجمعيات النسائية مجرد "جعجعة بلا طحين".
لكن هذه الأصوات موجودة وعبرت عن رأيها حين اجتمعت ممثلات الحركة المطالبة بالنصف مع النساء البرلمانيات لتحديد معالم خطة مشتركة للدفاع عن مطالبهن.

وتبرر هذه الأصوات موقفها بأن وجود النساء داخل البرلمان ليس محددا لمدى فعالية النساء في الحياة السياسية والاجتماعية للبلاد. وأنهن مازلن غائبات عن الجماعات المحلية حيث تجري المعركة الاجتماعية الحقيقية لأجل التغيير .
وأن الناخب المغربي بطبعه لا يصوت لفائدة النساء، وأن الأحزاب ليست مقتنعة بجودة مردودية العمل النسائي داخل القطاعات النسائية، وبالتالي لن تقدم لهن مقاعد جديدة تتنافس عليها الأغلبية الرجالية على "طبق من ذهب".

الصوت النشاز يبدو في طرحه متشائما لكنه محق في وصف بعض جوانب الإخفاق النسائي داخل الأحزاب.
والنقاش الذي شهدته إحدى قاعات البرلمان بين ممثلات الحركة ومنتدى النساء البرلمانيات، وحضرته شخصيا الأسبوع الماضي، يؤكد أن الكثير من النساء حتى أولئك اللواتي يصررن على المطالبة برفع التمثيلية وإعادة فتح قنوات الحوار مع الحكومة لتغيير مضامين الاتفاق الأخير مع الأحزاب، مقتنعات بأن هذه الأخيرة لا تقوم بدورها في الارتقاء بالعمل الحزبي النسائي.

الأحزاب، تقول إحدى البرلمانيات، "محكومة بعقلية ذكورية تبخس النساء حقوقهن، ولا ترى فيهن الممثل الذي سيدافع باستماتة عن آراء ومواقف ومصالح الأحزاب، ولن يكن بالتأكيد قادرات على الحصول على مقاعد في البرلمان، لأن المواطنين لن يصوتوا لفائدتهن حتى وإن وضعتهن الأحزاب على قوائم اللوائح الانتخابية".

تلك العقلية السائدة داخل الأحزاب هي المدخل الأصح للمعركة التي تخوضها النساء حاليا لرفع تمثليتهن في المؤسسات المنتخبة.
والتغيير من هنالك يبدأ لأن ممثلي الأحزاب "الذكور"، هم الذين اجتمعوا مع الحكومة في لقاء حضرته امرأة واحدة مثلت حزب التقدم والاشتراكية.

وطالبت الأحزاب خلال هذا اللقاء بإبقاء حصة الكوطا في نسبة 9.2 % في حين أنها وعدت قطاعاتها النسوية غير مرة بالدفاع عن مطلب رفع نسبة التمثيلية وفتح المجال أمام كفاءات نسائية أخرى، لكن شيئا من ذلك لم يتم.
الأحزاب أيضا هي التي ستختار النساء اللواتي سيكن على رأس اللوائح الانتخابية وإذا لم تكن مقتعنة بقدرتهن على الفوز فلن تترك المجال للمنافسين يأخذون مناصب سهلة بحجة تطبيق "الديموقراطية الحزبية"، وبالتالي على النساء كما قالت إحدى البرلمانيات أن يكن مقنعات بأفكارهن وأدائهن إذا ما أردن النجاح.

قضية النجاح والكفاءة والفاعلية طرحت أيضا خلال النقاش الذي دار في الندوة الصحفية التي عقدتها الحركة من أجل الثلث منذ أيام قليلة، وكان فحوى العديد من المداخلات يدور حول فكرة محورية واحدة "إذا ما كانت النساء يطالبن بثلث المقاعد في البرلمان، فيجب أن يجد هذا المطلب مشروعيته في الاستناد إلى تقييم مردودية نشاطهن خلال خمس سنوات من العمل داخل المؤسسة التشريعية، وأن يكن قد سجلن حضورا وازنا في هذه المؤسسة يترك بصمات تشجع على وضع الثقة فيهن من جديد وإعطائهن حيزا أكبر للعمل".

لكن هذا الطرح يجد من يواجهه بأسئلة وأجوبة لا تقل مشروعية، لعل أهمها أن تقييم العمل البرلماني لا يجب بتاتا أن يقتصر على النساء، والمسألة المطروحة في واقع الأمر هي "ضرورة تقييم أداء جميع أعضاء البرلمان رجالا ونساء خصوصا وأن عمل المؤسسة التشريعية يعتريه الكثير من القصور إلى درجة أنه يصيب بالإحباط، ولا يرضي بحال من الأحوال المواطنين الذين انتخبوا أعضاء هذه المؤسسة بنسائها ورجالها".

وتقول إحدى الناشطات الجمعويات في هذا الباب "ليس من العدل أن نحاسب النساء على أدائهن في حين أنهن أقلية داخل البرلمان لا تسمع كلمتهن إلا نادرا، رغم أن جلهن ذوات مستويات علمية وثقافية عالية تفوق مستويات الكثير من البرلمانيين الذين لم يلجوا المدرسة قط في حياتهم" .

وأشارت الناشطة في هذا الصدد إلى مثبط آخر، يقف برأيها دون بروز دور البرلمانيات وكفاءتهن، وهو التهميش المعلن من قبل وسائل الإعلام، "التي مازالت تمارس الحظر على هذه المجموعة الصغيرة من النساء داخل البرلمان وغالبا ما تتجاهلن حين يتعلق الأمر بأخذ رأي المؤسسة التشريعية أو تعليق أحد البرلمانيين على أهم الأحداث السياسية أو الاقتصادية التي تعيشها البلاد" .

وترى أخرى بأن واقع الحال هذا مبرر إضافي للمطالبة برفع تمثيلية النساء داخل البرلمان وإعطائهن حظهن في الممارسة السياسية الكاملة ثم بعد ذلك يسمح للجميع بمحاكمتهن أو على الأقل تقييم أدائهن.

لكن خلاصة هذه النقاشات التي تدور عادة بصوت خافت بين الناشطات في الجمعيات النسائية، وبالجهر حين تقبل مواسم الانتخابات، هي أن هذا التحرك ضروري لإسماع الصوت النسائي من جديد ولم لا الفوز بمعدل جديد ينضاف إلى التسعة بالمائة الحالية، ويرفع عدد المقاعد حتى وإن كان لا يرتقي بها إلى الثلث، لأن الثلث في مغرب اليوم وبالعقلية الحزبية الحالية، مازال بعيد المنال.

وتبقى الورقة الأخيرة التي قد تراهن عليها النساء في الضغط للحصول على نسبة "مشرفة" من المقاعد هي رؤية قد ترتبط بإرادة سياسية عليا تريد تكريس واقع انفتاح المغرب، وافتخاره بأنه سن مدونة جديدة ومتقدمة للأسرة، وقناعته بالقيم الجديدة التي تسود العالم وترفع النساء إلى مناصب الرئاسة يوما بعد يوم، لكن إلى أي مدى سيكون الرهان على هذه الورقة مربحا؟.




تابعونا على فيسبوك