صوت من المهجر

أمينة علوي : الأندلسي رسالة فكرية بمضامين إبداعية

السبت 21 يناير 2006 - 18:50
أمينة العلوي

سجلت أخيرا الفنانة أمينة علوي سهرة فنية لفائدة القناة الثانية، وهو الحفل الذي قالت عنه أمينة إنه جسر آخر للتواصل مع الجمهور المغربي، خصوصا وأنها لم تغن بالمغرب منذ سنة 2001 آخر مشاركة لها كانت في مهرجان وجدة الغرناطي .


أمينة علوي التي حققت نجاحا ملحوظا في دول المهجر متنقلة بين إسبانيا وفرنسا والبرتغال وغيرها من الدول الأوروبية، أعطت للأندلسي والغرناطي بعدا آخر، حيث جعلته جسرا للتواصل مع ثقافة الآخر ومن تم تقديم التراث المغربي العربي الأصيل بمضامين قادرة على جعله فنا عالميا.

تحمل علوي في عمقها عشقا كبيرا للطرب الأندلسي، شعرا وموسيقى، وذاكرتها مشبعة بتراتيل كبار شعراء التصوف والغزل الذين تحاول دائما الغوص في ذواتهم، باحثة عن أبدع الكلمات والمعاني من أجل اخراجها في صيغة فنية متكاملة قادرة على خلق نوع من التآلف والحوار الحضاري.

ترعرعت علوي في جو عائلي مولع بالموسيقى والسماع، تشبعت بنبرات فنية متعددة أخذتها بشكل شفهي.

في سن الثامنة بدأ مسار آخر في حياتها من خلال التكوين الذي انطلق بدراسة الصولفيج والبيانو على يد الاستاذ محمد ابو درار الذي وقف على موهبتها وحثها على ضرورة دخولها مجال التكوين.

بعد وفاته التحقت بمعهد الرباط لمدة أربع سنوات، الى جانب ذلك كانت تتابع تكوينا في الرقص والتعبير الجسدي الذي استفادت منه كثيرا وساعدها في تحقيق التوازن بين حركات الجسد والإيقاع الموسيقي سيما في ما يتعلق بالايقاعات المثلثة.

كانت تهتم أيضا بالشعر الذي ارتبطت به منذ سن التاسعة من خلال كتاب أهدي إليها وكان لبودلير، قرأت لكثيرين أمثال محمود درويش، البياتي، عبد الرزاق عبد الواحد، محمد بنيس.

كانت فترة دراستها بجامعة غرناطة بوابة حقيقية لتحديد مجال اهتمامها، خصوصا بعد زيارتها لقصر الحمراء، حيث وقفت على أشعار منقوشة على الجدران، تقول علوي "ذكرتني هذه الأشعار بأشعار سمعتها مغناة في فاس في مرحلة الطفولة، ساعتها انتابني احساس غريب لايمكن أن أعبر عنه إلا بقولي إن الفنون الحية للأندلس ولدت في المغرب والبقايا هنا في غرناطة جامدة لكنها تنطق رغم كل ذلك " هناك أحسست بأنه حان الوقت للاهتمام بهرم الحضارة الأندلسية، هذا الشعر وتلك النغمة التي مازالت تحملها أذني.

ومنذ تلك اللحظة دخلت مجال البحث في تاريخ الموسيقى الأندلسية والتراث الاندلسي، منذ 1984 الى الآن وأنا أعمل في المسار نفسه.

انطلق ولع علوي بالاندلسي موسيقيا وشعريا، الشيء الذي جعلها تبحث في الطبوع الأندلسية وتركيبة النوبة وتركيبة الميازين والصنايع الأندلسية، سنة 86 اتيحت لها فرصة الذهاب إلى باريس والغناء مع هونري انبيل المتخصص في أغاني القرون الوسطى، تقول أمينة "وكان هذا الأخير يبحث عن مطربة تعرف قراءة الموسيقى وتملك ما يمكن ان أسميه "روحية الأندلس" فبدأت أغني تلك الأغاني مع ادخال، من حين لآخر، بعض صنايع الأندلسي، مع ذلك تكونت في مجال الغناء الغرناطي ثم المقامات الفارسية والغناء التقليدي الفارسي، انطلقت في مجال الغرناطي الذي جعلته منذ 86 طريقي الواضح للبحث والتأليف.

" تبحث دائما في الأشعار التي ستؤديها، فعشق الاندلسي والغرناطي يجمع عندها بين البحث والغناء، تقول "أبحث وأدرس شعرا له رسالة قوية ويمكن أن أستفيد منه، أبحث دائما عن الشعراء المتميزين الذين لهم رسالة كونية فلسفية.

فالأندلسي أو السماع والملحون فن يحمل رسالة فكرية وكلمات تجعل الإنسان يقف على أجوبة للعديد من الاسئلة الحياتية، انه يحاور التساؤلات الأساسية للكون والوجود
هذا هو المهم في الأندلسي تقول أمينة علوي، لأن الغناء اقترن منذ أوج الحضارة العربية بفكرة اساسية هي أهمية الكلام الذي هو شعر، وهذا الشعر هو رسالة وبالتالي فالغناء هو صوت وكلام.

تغني لشعراء بارزين مثل ابن عربي وأبو الحسن الششتري، أبو مدين الغوتي، ابن الفارض، المعتمد بن عباد، ابن زيدون، وغيرهم من كبار شعراء التصوف والغزل، تقول أمينة "تثيرني الحكايا في الأشعار لذلك ابحث فيها وفي مضامينها وأستغرب كثيرا لأولئك الذين يغنون بعض القصائد من دون أن يطلعوا على تاريخها ومعانيها".

إن الموسيقى تضيف أمينة، علم واسع، "فعندما اقرأ مخططات الفرابي والكندي مثلا أجدهم يصنفون الموسيقى ضمن العلوم مثلها مثل الرياضيات وغيرها لذلك أرى انه لتؤدي الاندلسي أو السماع لابد أن تكون عالما بالشعر والمقامات والإيقاعات وتاريخ الاشعار.

فالغناء علم ولا يجب ان يكون في يد المتطفلين او الباحثين عن الربح التجاري باستور نفسه، عندما اخترع اللقاح، لم يكن هدفه البحث عن العائد المادي بقدر ما كان يرغب في انقاذ البشرية وهذه أساسا مهمة الموسيقى فهي دواء للروح وشفاء للنفس.

ان الموسيقى علم ويجب على مرتاديه ان يكونوا مسؤولين أمام رسالته وعندما تدخل عقلية البحث عن الربح ندخل مرحلة الانحطاط .

تبحث أمينة علوي دائما على جعل المستمع أذنا تستوعب معاني ما تؤديه، لذلك فهي في كل جولاتها في البلدان الأوروبية تقدم ترجمة للاشعار التي تغنيها، ومن تم تفتح أمام المستمع فرصة استيعاب ما تقول وتجعله مشاركا في هذا الابداع متتبعا للاشعار من خلال النغم.

"أحاول أن أجعل الاندلسي فنا عالميا، تقول أمينة، "لذلك فقد تنقلت بين أنواع عديدة من فنون البلدان الاخرى مثل اسبانيا والبرتغال ومن تم انجزت مشروعا فنيا تأليفا وموسيقى اشتغلت من خلاله على تيمة التآخي ما بين الاصوات والنغمات المتقاربة ما بين الأندلسي والفادو والفلامنكو، أغني مثلا بالعربي على نغمات ما بين الحجازي الاندلسي والفادو.

" وتضيف "لقد قدمت هذه التوليفة في العديد من المسارح الأوروبية ببرشلونة ومعهد العالم العربي بباريس وفي مهرجان قصر الحمراء في البرتغال، لقد أتيحت أمامي فرصة تسجيله في اسبانيا لكنني رفضت لأنني اطمح في أن تحتضنه مؤسسة او دار تأليف ذات بعد عالمي حتى يكون موزعا بشكل متكامل".

تحمل أمينة علوي رصيدا فنيا متكاملا بين الغناء والتأليف والبحث , كما تحمل في رصيدها 22 سنة من العمل الفني الى جانب 7 جوائز من فرنسا والجزائر وجنوب افريقيا وغيرها.

كما توجت مسيرتها بأكبر جولة في اليابان حيث قدمت 20 حفلا سجلت خلالها اسطوانة مدمجة.

تسجيل وتوزيع ياباني تحت عنوان "روح غرناطة" إنها تعترف بكرم المغاربة لكنها رغم ذلك تسجل غياب هذا الكرم في الميدان الفني، وهي في ذلك تتسائل عن أسباب هذا الجفاء الذي يلقاه الفنان المغربي عكس الحفاوة التي يستقبل بها الفنانون الأجانب
تساؤل تراه أمينة علوي مشروعا في وقت يكثر فيه الحديث عن أزمة الأغنية المغربية.
وللإشارة ستبث القناة الثانية البرنامج في 11 فبراير المقبل.




تابعونا على فيسبوك